قضايا وآراء

ديمقراطية الأكفان و«التوك توك»

| أحمد ضيف الله

ابتدأ مجلس النواب العراقي دورته الجديدة بشكل غير موفق، حيث وصل نواب «حركة امتداد» وحليفتها «حركة الجيل الجديد» الكردية إلى مجلس النواب العراقي، مجتازين الطريق من ساحة التحرير وسط بغداد باتجاه مبنى المجلس بعربات «التوك توك» الشعبية! بينما دخل نواب الكتلة الصدرية قاعة المجلس النيابي مرتدين أكفاناً كتب على بعضها «جيش المهدي»، مرددين شعارات الولاء «للقائد مقتدى الصدر»، ما شكل علامة شؤم غير مشجعة، وترهيباً للآخرين، متسببين بحالة من التوتر والتشنج خيمت على جلسة المجلس منذ لحظاتها الأولى.

القوى السياسية العراقية بعد أن تجاوزت مخاض الانتخابات وما تبعها من طعون قضائية وخلافات لنحو ثلاثة أشهر، عاد الانسداد السياسي إلى المربع الأول بعد انعقاد الجلسة الأولى للمجلس النيابي الجديد بدورته الخامسة في الـ9 من كانون الثاني 2022، على خلفية عدم دستورية استمرار الجلسة التي عقدت بعد رفعها للمداولة من قبل رئيس السن محمود المشهداني، والحديث مجدداً عن تقديم طعون إلى المحكمة الاتحادية بشأن ذلك.
ما حصل في الجلسة الأولى كان مخالفاً لكل التوقعات التي سبقت الجلسة، فما إن أنهى النواب أداء اليمين الدستورية، قدم النائب المستقل باسم خشان طلباً لرئيس السن محمود المشهداني معزّزاً بالوثائق، بشأن مخالفات قانونية وحنث باليمين الدستورية في ترشح محمد الحلبوسي لرئاسة المجلس الجديد، فأحيلت إلى الدائرة القانونية بالمجلس لتدقيقها، وما إن تقدم بعد ذلك النائب أحمد الأسدي عن «الإطار التنسيقي» بطلب تثبيتهم ككتلة أكبر بـ88 نائباً التي أُحيلت إلى الدائرة القانونية أيضاً لتدقيق الأسماء والتواقيع، حتى استفزّ ذلك نواب الكتلة الصدرية الذين شككوا بالقائمة، معلنين أن لديهم قائمة تضم 76 نائباً من أصل 329 نائباً عدد أعضاء المجلس، ليتطور الأمر إلى مشادات كلامية وتدافع بين نواب «الإطار التنسيقي» ونواب «التيار الصدري»، ما دفع رئيس السن إلى رفع الجلسة للتداول، وهنا قفز عدد كبير من نواب «التيار الصدري» إلى المنصة محاصرين المشهداني الذي كان يحاول مغادرتها، ما تسبب بإغمائه، ليخرج من قاعة المجلس محمولاً على الأكتاف، وفق مقاطع فيديوية عديدة.
رئيس المجلس النيابي الأكبر سناً محمود المشهداني 73عاماً، قال بعد خروجه من المشفى لفضائيات عراقية عدة، إنه تلقى ضربة على رأسه تسببت بإغمائه، وهو لا يدري «إن كانت الضربة عمداً أو من دون قصد»، مؤكداً: «ما زلت رئيس السن ولا يمكن استئناف الجلسة إلا بإذني»، معتبراً أن استمرار الجلسة «غير قانونية وغير شرعية من دون وجود رئيس السن الشرعي، وسنطعن لدى المحكمة الاتحادية».
القوى السياسية اختلفت بشأن استمرار الجلسة أو تأجيلها لموعد آخر، حيث خلت منصة الرئاسة من رئيس السن، لأكثر من ساعة، وبعدما اعتذر رئيس السن البديل عامر الفايز، تولي مسؤولية إدارة الجلسة، اعتلى المنصة رئيس السن الثالث خالد الدراجي، ممرراً انتخاب النائب محمد ريكان الحلبوسي، وهو سنّي، رئيساً للمجلس لدورة ثانية، والنائب حاكم الزاملي عضو الكتلة الصدرية كنائب أول للرئيس، وشاخوان عبد الله النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني لمنصب النائب الثاني للرئيس، بعد أن انسحب نواب «الإطار التنسيقي» ونواب حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني»، ونواب مستقلون آخرون من الجلسة النيابية.
النائب عن «العزم» مشعان الجبوري قال خلال لقاء متلفز: إن «مسعود بارزاني لا يدخل بحكومة يشكلها «الإطار التنسيقي»، وقد أخبرني بصريح العبارة بالقول: آذونا ودمرونا، أطلقوا وعودهم وكذبوا علينا ويضربوننا بصواريخ وبطائرات مسيرة، ولن أذهب معهم»، وهو ما تأكد لاحقاً ببيان مسعود بارزاني لدى تهنئته هيئة رئاسة المجلس النيابي، حيث شكر «جميع الأصدقاء والأطراف السياسية الذين التزموا بتعهداتهم وساهموا في إنجاح العملية»!
الجلسة النيابية الصاخبة أشارت إلى وجود تحالف غير معلن، بين «التيار الصدري»، و«الحزب الديمقراطي الكردستاني» برئاسة مسعود بارزاني، إضافة إلى تحالف كتلتي «العزم» و«تقدّم» برئاسة خميس الخنجر ومحمد الحلبوسي، أفضى إلى حسم مناصب هيئة رئاسة مجلس النواب لمصلحة هذا التحالف، ويبدو أن هذا التحالف غير المعلن سيفضي إلى تمرير رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء بمعزل عن «الإطار التنسيقي»، وحزب «الاتحاد الوطني الكردستاني»، وباقي الكتل النيابية، مكذباً التصريحات السابقة لهذه القوى بأنهم لا يريدون أن يكونوا مع طرف «شيعي» ضد طرف آخر، عدا أن ما جرى هو بالمحصلة محاصصة مكونات وأحزاب.
ما شهدته جلسة المجلس النيابي الأولى من فوضى وعنف وفرض إرادات، يشكل بداية غير موفقة لمجلس النواب الجديد، ما سيعزز المخاوف الموجودة أصلاً من التيار الصدري، فيما لو تمكّن من الاستفراد بالحكم، باعتماده أسلوب الفرض بالقوة، من خلال حكومة الأغلبية التي ينادي بها.
الجلسة النيابية العاصفة، تسببت بفجوة خطيرة في المشهد السياسي العراقي، ستؤثر من دون شك على استقرار ومستقبل العملية السياسية في العراق، المهزوزة أصلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن