قضايا وآراء

انهيار الاتحاد السوفييتي.. كما لو أن الحرب الباردة لم تنتهِ!

| د. بسام أبو عبد الله

كنا طلاباً نُحضّر درجة الدكتوراه في مدينة طشقند عاصمة جمهورية أوزبكستان السوفييتية، عندما أعلن ميخائيل غورباتشوف في 25 كانون الأول 1991 تنحيه عن منصبه كرئيس لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، وفي اليوم التالي تم الإعلان عن حل البرلمان السوفييتي، والحقيقة أن انهيار هذه الدولة العملاقة بـ22 مليون كم2، وتعدد قومي واثني وديني، أدى إلى تداعيات هائلة على الصعد الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي تداعيات بدأنا نلمسها مباشرة عندما طالبتنا الحكومة الأوزبكية كطلاب أجانب بدفع أقساط لإكمال دراستنا العليا بقولهم لنا: لقد أتيتم إلى الاتحاد السوفييتي، والآن انتهى، وعليكم التعاطي مع الواقع الجديد، الأمر الذي أجبر الحكومة السورية آنذاك على التفاوض المباشر مع أوزبكستان لإيجاد حل لهذه المسألة حتى ننهي دراستنا.

سبق إعلان غورباتشوف تنحيه، اجتماع ثلاثي في 8 كانون الأول 1991 ما بين رؤساء روسيا الاتحادية بوريس يلتسين، وأوكرانيا ليونيد كرافتشوك، وبيلاروس ستانيسلاف شوشكو فيتش في منتجع قرب مينسك العاصمة البيلاروسية أعلن فيه تفكيك الاتحاد السوفييتي، وإقامة رابطة الدول المستقلة.

الحقيقة أن أسئلة كثيرة ما تزال تطرح حتى الآن عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى انهيار هذه الإمبراطورية الكبيرة، وعن الأداء السياسي لغرباتشوف الذي ارتكب أخطاء فادحة وكبيرة وفقاً لرأي كثير من الخبراء الروس الذين يتساءلون: «كيف يمكن لزعيم القوة التي هزمت النازية ألا يضع شروطاً مسبقة على توحيد ألمانيا، وعدم مشاركتها في التكتلات العسكرية»؟ خاصة أنه وافق على توحيد الألمانيتين بعد سقوط جدار برلين برمزيته في 9 تشرين الثاني 1989، وقرر سحب الجنود السوفييت من دون أي مقابل، أو شروط، وهو ما دعا أحد الجنرالات السوفييت لمخاطبة إدوارد شيفارونادزه وزير الخارجية بـ«الخائن».. وتحديداً أن غورباتشوف وطاقمه كانا قد وضعا الخطوة الأولى لاستسلام الاتحاد السوفييتي في 21 تشرين الثاني 1990 عندما تم التوقيع على «الميثاق من أجل أوروبا جديدة» الذي أعلن النهاية الفعلية لنصف قرن من المواجهة وبداية عهد جديد مما سمي «الديمقراطية والسلام والوحدة»، ليلي ذلك في تموز 1991 توقيع البروتوكول الخاص بإنهاء معاهدة حلف ورسو.

هذه التنازلات المتتالية من دون أي ضمانات موثقة بعدم دخول البلدان الاشتراكية السابقة في حلف شمال الأطلسي دفعت الأمور إلى ما سماه الرئيس الروسي حالياً فلاديمير بوتين «الوصول إلى عتبة البيت»، وسعي الناتو لتطويق روسيا.

سار يلتسين بعد غورباتشوف على الخط نفسه، أي الحرص كل الحرص على إرضاء الغرب حتى إنه أصدر في كانون الثاني 1992 بياناً رئاسياً روسياً أعلن فيه أنه من تاريخه لن توجه أسلحة الاتحاد السوفييتي السابق إلى مدن الولايات المتحدة، وكان هدفه الحصول على مساعدات مالية غربية، من دون أن يفكر في تفعيل إمكانات روسيا الذاتية، وطاقاتها الكامنة أو يعمل على وضع إستراتيجية قومية لا تأخذ النموذج الغربي، ووهمه بالحسبان إنما تستفيد من كل التجارب الاقتصادية الناجحة في العالم، ومع ذلك كله انتهى وهم التجربة الغربية عبر التقليد، والانبطاح في 31 كانون الأول 1999 بإعلان يلتسن استقالته من منصبه وتكليف رئيس الوزراء فلاديمير بوتين تولي صلاحيات الرئيس بالوكالة حتى إجراء الانتخابات الرئاسية التي فاز بها بوتين في 26 آذار عام 2000 بنسبة 52.94 بالمئة من أصوات الروس.

مع مجيء بوتين إلى السلطة في روسيا، كان محملاً بكل آلام انهيار الاتحاد السوفييتي، وهو أكد أكثر من مرة أنه أكبر كارثة جيوسياسية حصلت في القرن العشرين، ووصف كوزيريف، وكان أحد وزراء خارجية يلتسين، في أحد لقاءاته الصحفية بـ«الغبي»، لكنه كان أمام تركة ثقيلة وضخمة، فوضع الإصلاح الداخلي على رأس أولوياته، مع الحفاظ على روسيا كقوة عظمى، والعمل على عالم متعدد الأقطاب، والعودة لآسيا والشرق الأوسط، وعدم التعامل مع روسيا الاتحادية كطرف خاسر في الحرب الباردة، والرد على توسع الناتو شرقاً بإعادة الترابط بين دول الاتحاد السوفييتي السابق باعتبار ذلك تعزيزاً لخط الدفاع الأول.

هذه المبادئ التي عمل عليها بوتين منذ عام 2000، جاءت على خلفية ما كان جورج بوش الأب قد أعلنه أمام الكونغرس في 28 كانون الأول 1992 من أن الولايات المتحدة قد فازت في الحرب الباردة، وأن الشيوعية قد ماتت، لكن هذا الإعلان كان هدفه إشعار الطرف الآخر بضرورة الاستسلام وتلبية الشروط الأميركية، والسكوت عما تفعله الولايات المتحدة التي فقدت فرصة تاريخية لتقديم نموذجها الذي تتغنى به، والذي ثبت أنه نموذج مدمر، مُقَسِم، مفتت للمجتمعات والدول، ما أنتج سلسلة من الحروب لم تنته تداعياتها حتى الآن.

في 9 أيار 2007 خاطب بوتين الروس في ذكرى انتصارهم بالحرب العالمية الثانية من أن الأخطار لم تختف، لكنها اتخذت أشكالاً جديدة، يعملون على تغيير مظهرها، وهذه التهديدات الجديدة كما في زمن هتلر-الرايخ الثالث، يتسم فيها القدر نفسه من الاحتقار الشنيع للحياة البشرية والمطالبة ذاتها بالتفرد العالمي، والسعي نفسه لفرض الهيمنة والإملاءات على العالم، وهو أمر نراه الآن في أوكرانيا، وكازاخستان، وسورية، والقوقاز، والهدف إضعاف روسيا التي مازال الخبراء الأميركان يرونها «إمبراطورية الشر» كما الاتحاد السوفييتي، لمجرد أن لديها سياسة وطنية، وتتطلع لمصالحها، وتعمل باستقلالية، وتعاون مع الآخر، وليس نموذجاً تابعاً للغرب الذي يصف بوتين بالاستبدادي، ولكنه كان يرى في يلتسين ديمقراطياً بالرغم من أنه قصف البرلمان الروسي في تشرين الأول 1993، لمجرد تمرد النواب الروس على سلطته.

ما من شك أننا نتحدث عن التاريخ، والتاريخ لا يفيد إلا بأخذ دروس مستخلصة منه للتعلم، وعدم تكرار الأخطاء وبالرغم من مضي ثلاثة عقود على انهيار الاتحاد السوفييتي لكن استطلاعاً للرأي العام أجري على 11 جمهورية سوفييتية سابقة، وذلك بعد مرور 22 عاماً على السقوط، أظهر أن أغلبية السكان في 7 جمهوريات من أصل 11 يعتقدون أن ضرر انهيار الاتحاد السوفييتي أكبر من نفعه على بلدانهم، بينما رأى الأذريون، والكازاخ، والتركمان أن النفع كان أكبر، في حين أن الجورجيين انقسموا بالتساوي تقريباً، والخلاصة أن 51 بالمئة يرون أن الانهيار كان مضراً مقابل 24 بالمئة فقط يعتقدون أنه كان مفيداً لبلدانهم.

ما نراه اليوم من صراع روسي- أميركي هو نتيجة لأخطاء الماضي الكارثية التي ارتكبتها قيادات سوفييتية وروسية مختلفة عندما اعتقدت أن الإصلاح يمكن أن يتم من خلال تدمير العلاقات القديمة بشكل كامل، وإقامة علاقات السوق الحرة، والخصخصة، ولم يدر في خلد هؤلاء حسب صاحب كتاب «ثعالب الكرملين» بافل خليبنيكوف أنه لفعل ذلك لابد من تهيئة المجتمع والدولة بالتغييرات الجذرية قبل أي إجراء، وأن ما حصل في زمن الشيوعية هو تدمير البنى التحتية للمجتمع مثل الأسرة والدين والتنظيمات الاجتماعية المستقلة، لقد دفعنا أيضاً حسب الكاتب الروسي ثمن تراجع الحس الوطني بالمسؤولية، وانهيار القيم، والأخلاق، واحترام القانون في زمن يلتسين، وبرأيه فإن قدرة الأجيال الشابة لتلبية نداء الأجداد، والتربية الصالحة، ونداء الواجب، ونكران الذات لخدمة المصلحة العامة أساسية لبناء روسيا المتجددة.

لقد كان الغرب معجباً بتجربة يلتسين لأنها كانت ستؤدي إلى دمار روسيا نفسها، ولهذا نجد أن أنتوني بلينكن وزير خارجية الرئيس الأميركي جو بايدن يتحدث مؤخراً عن حلم بوتين في إعادة إحياء الاتحاد السوفييتي من أجل تخويف الأميركيين والأوروبيين من ماض انتهى، لكنها الطريقة الأميركية التي لا تعيش إلا على عدو خارجي، وكأن الحرب الباردة لم تنته بعد!

محزن نهاية الاتحاد السوفييتي الذي عشت فيه أياماً جميلة، ومتعبة أيضاً، لكنها علمتني أربعة دروس مهمة:

الأول: إن التطور سنة الكون، والوقوف عند الماضي من دون أخذ الحاضر بالحسبان، والتطلع للمستقبل هو مقتلة كبرى، فالجمود يخالف تطور المجتمعات وحاجاتها.

الثاني: أن قضية الدين لا يمكن التعاطي معها بالقمع والزجر، وإنما عبر الحوار والاحتواء، والتوجيه لما فيه مصلحة المجتمع.

الثالث: أن القومية، والهوية قضية حية لا تموت بالتقادم، وأنه لا تناقض بين الوطنية والمشاريع الكبرى الأخرى التي تحقق المصالح بدليل أن هناك عودة عالمية للهويات القومية.

الرابع: إن الاقتصاد أساسي وجوهري، وتطويره بعقل منفتح، وليس جامداً مهم وأساسي لحياة الشعوب ورفاهيتها.

هذه القضايا الأربع كانت دروساً مستخلصة مهمة في ذكرى انهيار الاتحاد السوفييتي، علنا نستفيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن