من دفتر الوطن

لن أشرب من ماء النهر

| عصام داري

سألت نفسي مراراً: ما نفع كل ما نكتب ولا أحد يقرأ؟

ما نفع الكلام ونحن نواجه حالة من الصمم، أو الطرش العام؟

نظن أننا نسهم في كشف الغلط هنا أو هناك، وأننا ننبه من الثغرات والعثرات التي تراكمت حتى صارت بحجم الجبال، فنكتشف أن كلامنا يذهب أدراج الرياح، وأننا مجرد كتاب وإعلاميين يكتبون لتسويد بياض الصفحات، وفي نهاية المطاف نصطدم بالجدار.

ألا يقولون لنا: إن لم يعجبك كذا وكذا فلتنطح رأسك بالحيط؟ أي انطح الجدار، بل الجدران لأننا نواجه الجدران في كل يومياتنا ولا مجال للتغيير.

لا أتحدث عن نفسي فقط، فأنا أقول ما يدور في رؤوس كل من يكتب عن الأغلاط والأخطاء والفساد الذي امتدت جذوره عميقاً في حياتنا اليومية.

بناء على كل ذلك، هل أتوقف عن الكتابة عند هذه النقطة وأسلم أمري إلى اللـه وأقول «يا دار ما دخلك شر»؟ أم أتابع ما بدأت فيه حتى لو اصطدمت بألف جدار وجدار، وتعلمون أننا في لهجتنا الشعبية نقول: فتنا بالحيط؟!

المشكلة ليست في اصطدامنا بالجدار، بل في أن هناك عقليات أكثر صلابة من الجدار، وهي غير قابلة على الاختراق أو التغيير وحتى التفكير، ومع ذلك تظن أنها هي على صواب وكل ما عداها في غلط مبين.

قد أكون أنا من تلك الجدران الصلبة ولا أتنبه إلى ذلك، وأن الفساد هو الطريق الصحيح الذي كان علينا السير عليه!.

لماذا لا أحصل على حصتي من هذا الفساد ما دمت لم أحصل على حصتي من خيرات البلد؟

لماذا لا أشرب من ماء النهر كما شرب الملك أخيراً في مسرحية (نهر الجنون) للأديب المصري الكبير توفيق الحكيم؟ ألا تعرفون قصة المسرحية؟

رأى الملك في الحلم أن النهر الذي تشرب منه المدينة تلوث بنوع من السم أو الأوكسير، بحيث يصاب بالجنون كل من يشرب منه، وهكذا تتحول المدينة شيئاً فشيئاً إلى مدينة مجانين باستثناء الملك ووزيره.

في المشهد الأخير يقول الوزير للملك: إن كل الناس يتهمون الملك والوزير بالجنون، وإنهم هم العاقلون ومن ثم يبلغ الملك أنه سيشرب من ماء النهر، هنا يفكر الملك لحظة ثم يقول جملته الشهيرة: إليَّ بكأس من ماء النهر!

فهل أشرب أنا أيضاً من ماء هذا النهر الجارف؟

وهل أنهي علاقتي بالكتابة عن الفساد والفاسدين والمفسدين مرة واحدة وإلى الأبد؟ وبالتالي أتجنب الاصطدام بالجدران ومن يقفون خلفها ومن حولوا أنفسهم إلى جدران صماء؟

يبدو أنني أنا الجدار فقد قررت بعد الاتكال على اللـه والشعب ألا أشرب من ماء النهر ولو تحولت إلى المجنون الوحيد الذي يحارب طواحين الهواء!

وعليه أوقع ولله الأمر من قبل ومن بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن