قضايا وآراء

وينافقون في بروكسل

| منذر عيد

من المؤكد أن قناع الديمقراطية والإنسانية الذي ارتداه الغرب لسنوات وسنوات، سقط منذ بداية الحرب الإرهابية على سورية، لتظهر حقيقة ذاك الوجه القذر، ولتؤكد سنوات عشر مضت أن حضور الغرب الأميركي والأوروبي في الجغرافيا العربية، كان على خلفية مصالح مادية صرفة، وفي سياق مشروعه الهادف إلى السيطرة والهيمنة على مقدرات وقرار المنطقة.

ورغم انجلاء الحقيقة إلا أن الغرب الاستعماري يواصل سياسة النفاق الإنساني تحت شعارات براقة «مساعدات وديمقراطية وسلم وأمن ومحاربة إرهاب»، وخير مثال على ذاك النفاق ما يسمى «مؤتمر بروكسل» حول دعم مستقبل سورية والمنطقة، والذي تحّول مع غياب أصحاب الشأن وهي الحكومة السورية الشرعية، إلى مسرحية هزلية، ومنبر للمجرم من أجل ذرف دموع التماسيح على معاناة الشعب السوري، محاولة بائسة للضحك على عقل الرأي العام، الذي يعي جيدا أن دول الغرب الأوروبي والأميركي هما من يخنقان الشعب السوري عبر حصار ما يسمى «قانون قيصر» الأحادي الجانب، الأمر الذي أكدته موسكو من خلال بيان لوزارة خارجيتها بالقول «يتباهى المانحون الغربيون بتبرعاتهم دون أن تحرجهم الحقيقة المتمثلة بأن واشنطن وبروكسل هما من يخنق السوريين العاديين بعقوبات غير قانونية أحادية الجانب، كما أن الأميركيين والأوروبيين يعيقون تطبيق المشاريع الخاصة بالمرحلة المبكرة من إعادة إعمار سورية من خلال طرح شروط سياسية مسبقة منها تمديد الآلية الخاصة بنقل المساعدات عبر الحدود والتي تقوض سيادة سورية ووحدة أراضيها».

منذ إعلان انطلاق أول مؤتمر في بروكسل وحتى نسخته السادسة التي اختتمت بالأمس، عمد الغرب الإرهابي إلى عدم دعوة الحكومة السورية الشرعية، بل حرص على دعوة مرتزقته ومؤيديه من هنا وهناك، لأن الحضور الرسمي السوري سيشكل مرآة للحقيقة تعري صورة الأوروبي والأميركي، حقيقة أكدتها دمشق في بيانها أمس بقولها «لم يعد خافياً على أحد مدى تسييس الدول المنظمة لموضوع تقديم المساعدات الإنسانية وربطه بشروط سياسية مسبقة لا علاقة لها بمتطلبات وأهداف العمل الإنساني، بما في ذلك من خلال عرقلة عملية إعادة الإعمار وتنفيذ مشاريع الصمود والتعافي المبكر، وعرقلة عودة اللاجئين والإصرار على عدم دعمهم داخل سورية بعد عودتهم إليها».

ربما استطاع الغرب إبعاد سورية وروسيا «حضوريا» عن المشاركة في المؤتمر مخافة سماع كلمة الحق، إلا أن تلك الكلمة وصلت مسامع المجتمعين عبر وزير خارجية لبنان عبد الله بو حبيب من خلال تأكيده على هامش مشاركته في المؤتمر أنه «لا بد من التفاوض مع الحكومة السورية للبحث في مسألة عودة اللاجئين ويجب أن يقتنع الأوروبيون والمجتمع الدولي أن هناك نظاماً سورياً قوياً مسؤولاً عن شعبه ويسيطر على معظم الأراضي السورية»، حقيقة دعمتها تصريحات صحفية للرئيس اللبناني ميشال عون الذي أكد أن «قول دول الغرب إن للاجئين مخاوف سياسية وأمنية من العودة لا ينطبق مع الواقع، إذ عاد نحو 500 ألف منهم إلى سورية من دون تسجيل أي حادث أو مضايقات، في حين شارك مئات الآلاف منهم في انتخاب الرئيس بشار الأسد لولاية جديدة في السفارة السورية في لبنان، فكيف يكونون مستهدفين من النظام السوري»؟

لا يخفى على أحد بأنه عندما يتحدث الغرب عن مساعدة سورية والشعب السوري، إنما يقصد بذلك مرتزقته والتابعين له ممن يحملون الجنسية السورية، وأن حديثه عن معاناة السوريين إنما يقصد بذلك عائلات الإرهابيين والمسلحين في مناطق سيطرة قوات الاحتلال التركي وتنظيم «جبهة النصرة» الإرهابي والميليشيات المسلحة الموالية للنظام التركي، ويتجاهل بكل وقاحة معاناة ملايين السوريين في مختلف بقاع الجغرافيا السورية جراء دعمه للإرهاب والاحتلالين التركي والأميركي وسرقتهما ثروات وخيرات الشعب السوري، وهذه حقيقة ليست بحاجة إلى أدلة وبراهين رغم محاولة الغرب الاختباء وراء إصبعه.

محاولات الغرب تضليل الرأي العام عبر مسرحيات ما يسمى مؤتمرات وندوات وحملات لدعم الشعب السوري، تدحضها ألسنة مسؤوليه، والتي كان آخرها تصريحات الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، الذي جدد التأكيد على موقف «الاتحاد» العدواني تجاه سورية بالقول «إن الاتحاد ما زال ملتزماً بـ«خطوطه الحمراء الثلاثة»، التي تتضمن عدم المساهمة بإعمار سورية وعدم رفع العقوبات وعدم إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع دمشق، مؤكداً استمرار العقوبات الأحادية الجائرة المفروضة على الشعب السوري منذ 11 عاماً، ولم ينس أن يضفي على حقيقة موقف من يمثل بشيء من النفاق والكذب بالادعاء بأن العقوبات الأوروبية لا تستهدف الشعب السوري، ولا تحظر تصدير المواد الغذائية أو الأدوية أو المعدّات الطبية، وهناك عدد من الاستثناءات المتوقّعة لأغراض إنسانية.

دورات ست لمسرحية «مؤتمر بروكسل» بالأقنعة ذاتها، وبالخطاب السياسي المنافق ذاته، والدجل الإنساني، والتباكي على ضحية ما زالت دماؤها تقطر من مديتهم، وبذات المسرحية والحضور الهزيل والإخراج السيئ، دون أن يتمكنوا من الحصول على لحظة تصفيق على ما يقومون به من أدوار على خشبات مسرحهم الهزلي، فالحقيقة والحق السوري أكبر من نفاقهم، ولا يمكن حجبهما بغربال ما يدعون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن