ثقافة وفن

سليمان العيسى…. «إلى الوطن مع تحيتي» … خلد البطولة والأبطال فكان شاعراً قومياً وأعطى الطفولة روحه فكان الطفل الكهل

| إسماعيل مروة

تمر الذكرى سريعة، ويتذكر الناس اسمه وشعره بالحب، شاعر طفولتنا الأولى، وشاعر حياتنا الطفلية ، وشاعر الأمنيات والأحلام والأمجاد… من السجن إلى جبلة بن الأيهم، ومن القيود إلى حرية الطفل وانطلاقه إلى آفاق غير مكتشفة وغير مرئية.. أحبه من أحبه، وانتقده من انتقده، شعره أحبه الكثيرون، ولم يرق لكثيرين فقد ارتبط دوماً بالمناهج والسلطة، وكنا في طفولتنا نرى أننا مكرهون على قراءة شعره من الابتدائي حتى نهاية المرحلة الثانوية، وبسبب هذه النظرة نفر كثيرون من سليمان العيسى ومن شعره، وقليلون هم الذين اكتشفوا هذا الشاعر الكبير.

نشيد الجبل وسليمان

مضت سنوات على رحيل أبي معن سليمان العيسى وسنوات على رحيل صديقة عمره ورفيقة دربه وأمينة شعره الدكتورة ملكة أبيض.. وبعد رحيل الشاعر الكبير أقيمت ندوة تكريمية لأدبه وحياته وبسبب دالتي على الدكتورة ملكة جاءت وتحدثت عن سليمان الشاعر والحبيب والزوج، وكانت تتلفت وكأنها تتحدث عن سليمان، وإذا ما سأل أحدهم سؤالاً قد لا تنتبه، وربما أجابت من دون تركيز كبير، وفي عينيها تقرأ وداعاً من شكل مختلف وحزناً من الصعب أن يفهمه من لم يعرف العلاقة التي تربط ما بين شاعر كبير وزوجة عالمة في التربية والتعليم حين ودع سليمان العيسى في مشفى الأسد الجامعي بدمشق بعد مدة من العناية الكبيرة وملازمه د.ملكة لسريره، لملمت المرأة الزوجة الأغراض وبحركة دؤوب لا تعرف الملل كانت تذرع شوارع دمشق لتجهيز ما تركه العيسى غير مطبوع للطباعة، وحين انجزت ما ترتب عليها وبدعم وزارة الثقافة ، وتعاون علي القيم صديق العيسى، حزمت أم معن حقائبها وغادرت باتجاه آخر لكن لتلتقي به في عالمه، ولم تشأ العودة إلى غرفة لا تضم صديق عمرها وأنفاسه.

يهبط إلى الذاكرة

وجدتني وأنا أقلب أوراقي أعبر على ورقة بخط للشاعر الكبير سليمان العيسى، وعليها إهداء لصحيفة الوطن المنبر الذي اعتنى بالعيسى وبشعره لسنوات طويلة، أثارت قصيدة العيسى «نشيد الجبل» شجوناً عندي ودفعتني للعودة إلى هذا الشاعر الكبير اسماً وتاريخاً، لسنوات عديدة كان لقائي بالأستاذ الشاعر في بيته كل يوم خميس في الواحدة ظهراً، وهذا الموعد صار شبه دوري لا أخلّ به أبداً إلا بداعي المرض أو السفر، هذا عدا لقاءات متناثرة في أوقات أخرى، وشهدت رسم الفنان الجميل اليازجي للعيسى وحده ولملكة وعيسى… إذا ما التقيت الشاعر قبل أن يدخل إلى منزله فغالباً ما يستريح في المدخل وفي مرات كان الأطفال يهرعون إليه، ويطلبون منه ، فيأخذ الاسم ويكتب نصاً باسم الطفل أو الطفلة، ولم يرفع صوته ولم يرفض أن يكتب نصاً لأي طفل تقدم منه، ويكاد شعره يلمّ بكثير من الأسماء، بعد أن صار سليمان العيسى نديماً للأطفال وصديقاً لهم يرقبه الواحد منا ويسأل : هل هذا هو الشاعر الذي كنا نردد اسمه مع شعره؟ أهذا هو الذي تحدث للطفولة وعنها؟

عمي منصور النجار
يضحك في يده المنشار
قلت لعمي عندي لعبة
اصنع لي بيتاً للعبة
هز الرأس وقال:
أنا أهوى الأطفال
بعد قليل رحت إليه
شيء حلو بين يديه
سواه عمي منصور
أحلى من بيت العصفور
نعم هو ذاته الذي يقول:
سوف يبقى النبوغ في الكون سراً
ووجوداً يرن فوق الوجود
فوق آفاق فكرنا المحدود
سكرة الغد ليس تعرف حدا
ضج ركب الحياة من أن يشدا
بالقيود الثقال فوق الصعيد
يرقب النور والذرا من بعيد
والذي غنى لماما وبابا هو الغاضب الذي يقول:
يا رملنا المزروع بالذئاب
يا رملنا المزروع
آباؤنا ماتوا على الحراب
ماتوا بلا دموع

هو نفسه الذي قال فيه صديقه الشاعر الدكتور عبد العزيز الصالح «في الشعر كما في الحياة، يبدو أن القصيدة تقف بين طرفي هذين النقيضين، وفي فمها ابتسامة الظفر بما حققته من إنجاز حين نجحت في أن تجعل الشاعر يجهد عبقريته ليصل إلى استخلاص رؤية فكرية مستوحاة من خبرة الحياة وقوانين التفكير العقلي الصارم».

يقول في العيسى وفي أبيات الحكمة، ويهزه قول حكيم وعقلي للعيسى:

ماذا إذا متنا، إذا
ما الجيل والجيلان ماتا؟
من قال: إن الأرض
أرض المجد لا تسقى رفاتا؟
صراخه وصوته

كان طفلاً قتلته حرب حزيران 1967، أسكتته، لم يعد قادراً على قول شيء، وليس الشعر وحده، قد يكون وجد من الطفل ملاذاً، قد يكون هرب إلى الطفولة، قد تكون الطفولة بحاجته فاستقدمته، ولكنه بقي في فمه الماء، وبقي عاجزاً عن قول أي شيء لكنه بصق كل ما لديه من غضب، وجاشت روحه بكل الحب، وخرج المارد الشعري الذي يسبح على بحور الشعر القادرة، وذلك حين شهد انتصارات حرب تشرين أخذ يصرخ فخراً وحباً وإشادة:

ناداهم البرق فاجتازوه وانهمروا
عند الشهيد تلاقى الله والبشر
ناداهم البرق فاختاروه أغنية
خضراء ما مسّها عود ولا وتر

إنها القصيدة الصرخة بعد الصمت، التي كانت أكثر قوة وأكثر جمالاً، والصورة الأكثر بهاء بعد صمت ست سنوات، ولو لم يأت نصر تشرين لكان من الصعب أن يعود صوت الشاعر بأوتار الفخار، وهذا ما دفعه إلى كتابة قصيدة من أجمل شعره، ومن أجمل ما قيل في المجاهد المناضل عمر المختار:

دمك الطريق وما يزال بعيداً
علّق برمحك فجرنا الموعودا
دمك الطريق ولو وقفنا مرة
في ظله كنا الأباة الصيدا
يا جيل يا من كاد يخلع جلده
كفراً في نشر الصباح وعودا
اضرب بحافر مهرك النير الذي
ما زال في أطواقنا مشدودا

حين قرأت هذه القصيدة أول مرة عند أستاذي الراحل محمد رشدي الخياط، وفي نسخة خطية بخط الشاعر الكبير وجدت فيها قصيدة من القصائد المتفردة، واحتفظت بنسخة مصورة منها إلى أن سمعتها من الشاعر نفسه في جلسات الخميس، ومن ثم أهداني نسخة خاصة من طبعة صدرت في ليبيا احتفاء بعمر المختار والشاعر، وهي قصيدة بكل ما فيها متفوقة، وفي صورها وغاياتها وقراءتها للواقع العربي تتجاوز كل ما قيل في عمر المختار من شعر، ولكن الريادة وحدها قدّمت غيره وقد اشتهر ما قاله في المختار!

وعلى الرغم من تفوقه بقيت سنوات طويلة بعيدة عن القراءة، حتى اختار منها واضعو المناهج أبياتاً في المقررات الدراسية، فعرف الناس أن سليمان العيسى الشاعر الطفل الرقيق نبتت له أظفار، وارتفع صوته بالصراخ والغضب وجلس يخاطب دم عمر المختار ورمزيته من أجل حاضر الأمة.

الطفولة والحلم

أسهم انحياز سليمان العيسى للطفولة بتعزيز مكانته عند الطفل تدريجياً، ليصبح العلامة الشعرية الأكثر أهمية في شعر الطفولة العربي، فقد أخلص للطفل، وكان الشاعر الأول في أدبنا الذي يتحدث بلسان الطفل وعقله وقلبه، فلا يقدم حكايات ولا يلجأ إلى المواعظ، ولا يملي على الطفل ما يجب أن يقول، أو ما يتمناه، بل كان الطفل الحالم الذي لم يكبر..

ماما ماما يا أنغاما
تملأ قلبي بندى الحب

مرت مدارس كثيرة في شعر الطفولة، لكنها كلها مع جهودها لم تصل مستوى محاكاة عالم الطفولة ذاته، من شوقي إلى حافظ وغيرهما، وفي مرحلة ما بعد سليمان العيسى لم نجد من تابع نهجه وخطه ليصعد مرتبة أعلى في إنضاج شعر الطفولة، بل إن التجارب التي جاءت بعد العيسى كانت ضعيفة ودون المستوى وبقي وحده شاعراً للطفولة بطفولته وحلمه!

تجارب في سورية ولبنان والأردن وغيرها من البلدان ولكن القصيدة تبدأ متأثرة بنفس سليمان العيسى لتكتمل وهي بعيدة كل البعد عن الطفل وروحه وما يفكر به.. وبعد سنوات من رحيل أبي معن لم يخرج علينا شاعر طفولة، ولو من مرتبة متواضعة عنه.

وربما كان حلم سليمان العيسى الطفولية هو من ساعده على الاحتفاظ بحلم القومية والعودة إلى النعيرية واللواء السليب لذلك بقي العيسى الطفل الذي يخربش الجدران والعدوان على حلمه القومي، وبقي مؤمناً بفكره حتى رحيله، لم يتنازل عنه، وقد عبّر عن رأيه في حديث لـ«الوطن» نشر في حينه، بأنه قال لرفاقه لكم إدارة دفة الحكم ولي الحلم، فقد اكتفى بحلمه الجميل يهدهده بين يديه، وكأني به في قصيدته غير المنشورة يخاطب بلاده.

انقلي لحن الأمل يا عصافير الجبل

ويبقى سليمان العيسى علامة قرن من الفكر النهضوي والقومي في انتصاراته وفي خيباته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن