ثقافة وفن

أكرم العلبي يقدم كنزاً لصناع الدراما الشامية … ابن كنان الصالحي أحد رواد التراث الشعبي وتوثيقه في مرحلة مهمة

| إسماعيل مروة

العودة إلى البيئة والشام والعادات والتقاليد هل هي هروب من الحاضر؟

هل كان الماضي الذي يتحدثون عنه أفضل حالاً من اليوم؟ قبل ثلاثين عاماً وقع تحت يدي كتاب بعنوان (يوميات شامية) وهو كتاب قديم محقق فسألت نفسي: هل هذا عنوانه الأصلي؟ هل كان الأدباء يكتبون بهذا الأسلوب المرسل؟ ولو كان كذلك فلماذا ينتقد الكاتبون أسلوب ذلك العصر؟

التسمية والأصل

لقد اختار الصديق الفاضل المحقق أكرم حسن العلبي اسماً لغلاف الكتاب من وضعه، وفي الصفحة الأولى من الكتاب نجد العنوان الأصلي:

(الحوادث اليومية من تاريخ أحد عشر وألف ومية) لابن كنان الصالحي الدمشقي المتوفى سنة 1153 هـ/ 1740 م وحسناً فعل لو وضع العنوان الأصلي مع الجديد على الغلاف ليتبين القارئ حقيقة الكتاب وأصله وعصره.

وفي الصفحات الأولى يشير الراحل العلبي إلى أن الكتاب الذي يقدمه هو حلقة متقدمة عن كتاب (البديري الحلاق- حوادث دمشق اليومية) ويغطي الحقبة التي سبقته «أول كتاب تاريخي يصلنا عن دمشق في العصر العثماني، يتحدث عن الحياة اليومية في دمشق، ولكن يزيد من حيث الحجم والمساحة الزمنية التي يغطيها، وطريقة عرضه للأحداث، وتناوله موضوعات لم ترد في تاريخ البديري، مثل حديثه المفصل عن المدارس والمدرسين والقضاة والأشراف، وإسهابه عن الحديث عن متنزهات دمشق وأرياضها، وعن دورها وقصورها وآثارها».

الكاتب وسيرته

إذا كان البديري الحلاق شخصاً عادياً، وقدّم حوادث دمشق اليومية ببساطة، وحسب ثقافته، التي يراها النخبويون عادية وأقل من عادية، ففي كتاب يوميات شامية نقف أمام كاتب معروف ومتنوع العطاءات، ومتعمق في عدد من العلوم «فهو محمد بن عيسى بن محمود بن محمد بن كنان الصالحي الحنفي الخلوتي الدمشقي.. وعند وفاة أبيه صار شيخ الخلوتية في دمشق، وعين مدرساً بالمدرسة المرشدية، وكان على علاقة وثيقة بعلماء دمشق وأعيانها ومدرسيها مثل الشيخ عبد الغني النابلسي» فنحن أمام عالم من العلماء الذين درّسوا وتركوا مؤلفات، وجمع بين علوم الفقه واللغة وطرائق الصوفية في الوقت نفسه، وانتسابه إلى العلم والعلماء كان من المفترض أن يجنح به إلى كتابة التاريخ والرجال كما عهدنا من الحديث عن الطبقات والسنوات وما جرى فيها من أحداث عظيمة وجليلة ذات ارتباط وثيق بالطبقة العليا من العلماء والسلطة، ويشير المحقق العلبي إلى هذه المفارقة بقوله: «وعلى الرغم من كثرة أساتذته وتلاميذه والكتب التي درّسها أو نسبت إليه، فإن لغته في هذه الحوادث أقرب إلى العالمية منها إلى الفصحى، وهي تختلف اختلافاً تاماً عن لغته في «المروج السندسية» و«المواكب الإسلامية» وغيرها من مؤلفاته»، وذلك واضح بدءاً من العنوان الذي ينحو نحو العامية أكثر من الفصحى (الحوادث اليومية من تاريخ أحد عشر وألف ومية) جامعاً في ذلك أسلوب العصر القائم على السجع، والاقتراب من اللهجة الدارجة العامية.

منهج المؤلف ومادته

يذكر المحقق العلبي في تقديمه: (لقد جعل المؤلف تاريخه هذا، كما يسميه، سجلاً لما يراه ويسمعه ويقرؤه أو يقرأ له، فجمع الغث والسمين، والصالح والطالح، وما زاد الأمر تعقيداً أنه كان يكتب بلغة الأديب العامي أو العاميّ المتأدب، بعبارات سقيمة مطولة وعقيمة، حتى إننا كنا نضطر أحياناً إلى شرح بعض العبارات وبيان المقصود منها.

1- اعتماد المؤلف على التسجيل لما يسمع أو يقرأ أو يصل إليه، وهذا المنهج يدوّن كل ما انتهى إلى المؤلف وسمعه وبصره، وليس ما انتهى إليه علمه.

2- لم يعتمد على المنهج العلمي في الانتقاء والتخيّر، بل جمع كل ما عرض له، فكان برأي المحقق الغث والسمين، وهذا يدفع إلى محاولة معرفة ما الغث وما السمين.

3- اللغة والتصنيف.. الجمع جعل المؤلف يقدم لغة حاول المحقق أن يصفها بين الأدب العامي وعامية الأدب، ما جعلها سقيمة وعقيمة ومطولة، والإغراق في العامية والمحلية جعل الكلام بحاجة إلى شرح ليس لصعوبتها، بل لمحلية كلماتها.

وعن قيمة المخطوط التاريخية يقول المحقق: «لاشك أن هذا المخطوط، على علاته الكثيرة، يعدّ أوسع وأفضل مصدر تاريخي عن دمشق، في النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري، عُرف حتى اليوم، ذلك أن مؤلفه كان معاصراً للأحداث التي يدونها، أي إنه كان شاهد عيان لما يكتب، فقد كان في السابعة والثلاثين يوم بدأ كتابه، واستمر معه سنوات عمره الباقية، يوماً بيوم، وشهراً بشهر، حتى سقط القلم من يده سنة 1153 هـ وقد ناهز الثمانين.

وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهها المحقق الراحل، والعلات الكثيرة التي وجدها، وهو على حق فيها، إلا أن هذا الكتاب يمثل وثيقة تاريخية يومية من عدة جوانب:

1- ابتعاده عن التصنيف العلمي العالي، وهو العالم المشارك، فذاك التصنيف يتوجه إلى شريحة محددة من القراء، من حيث التأليف أو الاستهداف.

2- تسجيل اليوميات التي لا تلتفت إليها كتب التاريخ عادة، وهذه اليوميات قد تلتقط أشياء مهمة جداً لا يلتفت إليها المؤلفون الجالسون في صوامعهم.

3- تدوين اللغة الدارجة آنذاك بين العامة ما يساعد الباحثين والدارسين على دراسات لغوية غاية في القيمة والأهمية، تسهم في دراسة التطور واللهجات والألفاظ الخاصة.

4- التفات الكاتب إلى الحياة الاجتماعية (الأسواق، الحمامات، المدارس، العادات والتقاليد) وهذا يعطي صورة عن البيئة الاجتماعية بصورة صادقة، ويساعد في دراسات اجتماعية واقتصادية عن تلك المرحلة التي لا نجد سوى التمجيد أو الطعن فيها..

5- إيلاء البيوت الدمشقية عناية، ومنها ما يزال قائماً، ومنها ما صار بائداً، وهذا يساعد في تكوين صورة عن البيئة الدمشقية وخصائص عمارتها في ذلك الوقت.

6- يسقط الضوء على الجوامع الموجودة والمحدثة والخانات، وهذا يعطي صورة عن الحركة الاجتماعية والتجارية والصوفية والدينية، ولا يفوتنا أن المؤلف يتبع إحدى هذه المدارس الصوفية.

7- يغطي الكتاب مرحلة مهمة عن الصناعات والعادات، ويدوّن رحلة الحج الشامي، ولم يهمل قصص الفقه والغنى والاغتصاب واستغلال السلطة من الأمير منصور والي صفد الذي كان يغتصب النسوان أمام أهليهن حتى جاء إلى دمشق فلقنه أهل الميدان (الحقلة) درساً وسقوه من الكأس نفسه.

الأهمية الدرامية

لعلّ الأهمية الدرامية هي التي جعلتني أعود إلى هذا الكتاب بعد رحيل محققه صديقي أكرم العلبي قبل سنوات بعيدة، وصورة لطفه تتحرك أمامي على دراجة هوائية في شوارع دمشق، فالأهمية الكبرى التي أراها لهذا الكتاب تتمثل في أنه مع كتاب البديري الحلاق يكملان مرحلة زمنية متواصلة، وبنهجه ومحتواه يمكن أن يمثل منهلاً مهماً للدراما السورية التي تتناول البيئة الشامية، فمن خلالها يمكن أن يتم تصوير الأمور على حقيقتها، وبدقائق الحوارات والأفكار، وتفاصيل الحارات والإكسسوارات، بل الأغنيات والأهازيج.

هذا الكتاب على علاته يمثل أباً روحياً لدراما البيئة الشامية، ويبعدها عن الاختلاق ومخالفة الحقائق والوقائع، فالعادات والأواني واللباس وكل ما يتعلق به موجود في هذا الكتاب، ويمكن أن يتم الاسترشاد به لتلافي أي نقص أو خطأ، كأن نستعمل لفظاً وهو لم يكن في تلك الفترة، أو أن نختار لباساً ليس لها، أو أن نضع آنية كانت مستهجنة وغير موجودة.

(الحوادث اليومية من تاريخ أحد عشر وألف ومية) أو يوميات شامية كما اختار الناشر أو المحقق استفادة من شهرة مسلسل (أيام شامية) للراحل بسام الملا في الفترة نفسها لصدور الكتاب، والمسلسل من كتابة القدير أكرم شريم، وهو أهم الأعمال وواسطة عقدها.. هذا الكتاب يمثل كنزاً شعبياً في الأدب الشعبي والتراث الشعبي قلّ أن نجد مثيلاً له، ويجدر بنا أن نضعه في مكانته لدراسة الحياة الشامية وتطورها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن