ثقافة وفن

الإحساس والتفوق في ملتقى الإبداع … عبد المنعم عمايري لـ «الوطن»: مهم للطلاب أن ينهلوا من التجارب.. ولا غنى لي عن الدراما السورية

| مايا سلامي- تصوير: طارق السعدوني

فنان مبدع بكل المقاييس وصاحب تجربة مسرحية رائدة خاضها منذ أن كان طالباً في المعهد العالي للفنون المسرحية وخطها بإبداعه المنقطع النظير الذي جمع فيه كل عناصر العمل المسرحي بدءاً من النص ووصولاً إلى الإخراج فشكل حالة خاصة ولامعة آمن بها كبار الأساتذة والمسرحيين حتى شاركوا في أعماله رغم صغر سنه الفعلي والفني.

مسيرة فنية عريقة وغنية توّجت بالعديد من المشاركات الدرامية والسينمائية التي أضاف لها الكثير بإبداعه غير المسبوق وبراعته في الغوص بعوالم الشخصيات وخوالجها بكل ما يدور فيها من نزاعات ورغبات دفينة صورها وجسدها بذكاء حاد خلق له بصمة واضحة الأثر في أداء الأدوار المعقدة والمركبة.

آمن بأن الفن الحقيقي يقوم على الوعي والإحساس الصادق وأن الممثل الحقيقي هو الذي يعمل بمخزونه المعرفي والثقافي ونبضه وأحاسيسه وليس بلباسه وتسريحة شعره فرفض الخوض بكل الأعمال الاستعراضية الخالية من القيم الفنية التي لطالما كانت هدفه الذي حمله لسنوات طويلة.

إنه الفنان عبد المنعم عمايري الذي استضافه المعهد العالي للفنون المسرحية في فعاليته الدورية «ملتقى الإبداع» التي جمعته بطلاب المعهد ليرفدهم بخبرته وتجربته الغنية في المسرح والدراما.

بداية رحلته

ضمن الحوار الذي أداره الناقد سعد القاسم، تحدث عمايري عن بداياته في المعهد العالي للفنون المسرحية، فقال: «هذا المكان الذي أخد جزءاً مني كما أعطيته أنا الكثير لأنه كان حلمي أن أدخل عليه كما أنني لم أدخله لكي أصبح نجماً تلفزيونياً أو أحصل على شهرة أو مال خاصة في بداية مسيرتي في المعهد حيث لم تكن هناك فضائيات أو انتشار كبير للدراما».

وأضاف: « في السنة الثالثة كان الأستاذ والمخرج الكبير هيثم حقي يدرسنا وطلب مني التمثيل في مسلسل «ليل الخائفين» فقلت له: أنا لا أعمل للتلفزيون فكانت لدي قناعة تامة بالمسرح وليس استخفافاً بفن التلفزيون الذي تطور وتستطيع أن تقدم من خلاله حلولاً أدائية وفنية وفكرية لكن في حينها كانت لدي وجهة نظر مختلفة المسرح ثم المسرح لدرجة أنني رفضت العروض التلفزيونية وأنا لم أعمل في التلفزيون حتى تخرجت».

وكنت دائماً «أسعى إلى أن أكون مثل اسفنجة تتشرب كل ما تتلقاه فقرأت المؤلفات التي احتوتها مكتبة المعهد وشاهدت الأفلام العالمية التي كانت موجودة».

وتابع: «كما أنني كنت محظوظاً بوجود نخبة من أساتذة التمثيل المحليين الذين أوجه لهم كل الاحترام والمحبة وتحديداً الأستاذ حسن عويتي وأستاذي غسان مسعود الذي تخرجت على يده وكانت رحلة طويلة بيني وبينه على صعيد العمل في المسرح والكتابة المسرحية الذي شكل هماً بالنسبة لي».

وأكد أن المسرح كان هدفه وهمه الوحيد هناك وأنه كان يتوقف عن الأعمال التلفزيونية لسنة كاملة في سبيل التحضير المسرحي إن كان على صعيد السينوغرافيا أو النص أو الإخراج فهو من كان يشرف على كل عناصر العرض المسرحي.

ما بعد التخرج

وفي حديثه عن الصعوبات التي واجهته بعد التخرج من المعهد بين أنه: «واجهنا الكثير من الصعوبات المادية والاقتصادية وقلة فرص العمل التي كانت توزع على مجموعة أشخاص محددة وكانوا يعطوننا بقايا الأدوار رغم أننا كنا من خريجي المعهد ولدينا اسمنا المهم في المسرح».

وأضاف: «من الصعوبات التي واجهتها أنه كان لدي هم دائم في كيفية إقناع مجموعة الممثلين المحترفين بالعمل في مسرحية من إشرافي وكان ذلك بالبداية في مسرحية «صدى» التي أخرجتها وكان فيها أستاذي الذي تتلمذت على يديه غسان مسعود وسلافة معمار التي لم تسمح لها الفرصة في بداياتها أن تعمل في التلفاز والآن هي من أهم ممثلات الوطن العربي».

وأوضح أن الصعوبات التي واجهها في إقناع الممثلين المحترفين بالعمل في الصيغة أو بفن الأداء الذي يحبه كانت سبباً في ابتعاده عن العمل بالمسرح وأن ذلك كان واحداً من أخطائه الذي حاول تجاوزه فيما بعد في مسرحية «سيليكون» التي ذهب فيها إلى الفارس.

التجربة في تونس

وعن دراسته للإخراج في تونس قال: «من تجربتي في تونس تعلمت أنه لا يمكنك أن تحقق مشهداً مسرحياً إلا بعد بحث طويل لتصل إلى نتيجة من خلال الجهد والإتقان في الجهد والتأسيس النظري وأنا أرى أن أسهل شيء على الممثل هو الكلام وأصعب شيء هو العمل كما يقول بيتر بروك: الممثل جرو صغير يقف عند قدمي المخرج في البروفات الأولى ثم يتحول إلى لبوة شرسة قبل العرض في كتاب (الجحود ونكران الجميل عند الممثل)».

ونوه إلى أن: «أهم شيء بفن التمثيل هو فن الغريزة والطفولة وشرط الحرية واللعب وبعرض الطلاب اليوم شاهدت هذين الشرطين فالطفل الصغير تعطيه لعبة يضحك وعندما تسحبها من يده تنزل دموعه فوراً وهكذا أرى فن التمثيل».

وأكد أن المعهد العالي للفنون المسرحية كان له دور كبير جداً في مخزونه المعرفي والفني، مشيراً إلى أن العهد يصقل موهبة الممثل ويطور أدواته صوتياً وجسدياً وشعورياً بالإضافة إلى المعرفة التي يقدمها من خلال النقاش وتحليل الدور وملاحظات الأساتذة والمخرجين التي يتلقونها على مدار أربعة سنوات.

وأضاف: «يشعر الممثل دائماً أنه في مرحلة التكوين إلى أن يصبح ممثلاً محترفاً يستطيع عندها أن يجمع مابين مخزونه الحياتي والمعرفي فيحدث انصهار بينهما ويكون ممثلاً استثنائياً في المستقبل لأن المخزون المعرفي وحده لا يكفي فمهنة التمثيل عصبية حسية فكرية عضلية لكن تختلف بين ممثل وآخر، حساسية هذا الممثل اتجاه مايحدث أمامه يومياً في الشارع وتأثره بالظرف المحيط به ولكن أكيد لولا المعهد لكانت تنقصني الكثير من الأشياء».

تماه كبير

وفي حديثه عن شخصية سمير في مسلسل «قيد مجهول» بين أنه: «في لحظات يصبح هناك تماه بينك وبين الدور لكن دائماً يجب أن يكون لديك كونترول وهذا أدرسه دائماً للطلاب بأنه ممنوع أن تتماهى مع الشخصية لكن يجب أن تراقبها وتعيشها وهنا تكمن براعة الممثل بأدواته وكيف يتحكم بها ويقنعك».

وأشار إلى أنه في شخصية «سمير وقع بخطأ كبير كاد أن يودي بحياته من دون أي مبالغة حيث طُلب له طبيب أثناء تنفيذ أحد المشاهد الحسية الصعبة، حيث كان تأثير هذا الدور نفسياً وقد استمر حتى بعد انتهاء التمثيل موجهاً نصيحة إلى طلاب المعهد مفادها: العب ولا تمثل لكن اللعب بجدية مثل الطفل الذي يقنعك».

وعن إمكانية عودته إلى التمثيل المسرحي، قال: «آخر مسرحية اشتغلتها كانت عام 2001 منمنمات تاريخية والآن لا أريد أن أعمل في المسرح وأحب أن يستمر مشروعي بالإخراج وإدارة الممثل وأنا أعمل في التلفزيون بشكل مسرحي متلفز أي بمبدأ المسرح لكن ليس ضمن تقنياته فكل فن له تكنيك أو خصوصية معينة».

المؤتمر الصحفي

خلال مؤتمر صحفي عقده بعد حواره مع طلاب المعهد، أكد فيه أنه يحب الإخراج المسرحي أكثر لأنه فيه حرية أكبر، أما فن التمثيل فهو فن تابع والممثل عليه أن يقبل أو يرفض فقط في حين المخرج هو مسؤول عن كل العناصر لذلك يجد نفسه فيه أكثر.

وأوضح أنه اليوم بات دقيقاً أكثر باختياراته أكثر من السابق وأنه يهتم بأن تكون الجهة المنتجة للعمل متبنية كل عناصر العمل من إخراج وممثلين والنص والمادة بالإضافة إلى جودة النص ومعالجة الأفكار الواردة فيه والأشخاص المشاركين في العمل بالإضافة إلى الشرط المادي.

ولفت إلى أن: «القضية الفلسطينية لم تأخذ حقها على الإطلاق باستثناء التغريبة الفلسطينية وأنا ضد المباشرة في طرح قضية مازالت موجودة تشعر بها وتشاهدها فعندما أشاهد في الأخبار أمّاً فلسطينية تودع ابنها الشهيد هل هناك صورة أو فن سيقدم ويوازي هذه الصور سيسقط بالضرورة كل فن أمامها لذلك يجب ألا تقدم أفكاراً عن القضية الفلسطينية بشكل مباشر كما أنها تحتاج إلى ذكاء وبحث وتقنيات وهذا كله غير متوافر عند القائمين على الأعمال الدرامية».

وشدد على أن الدراما المشتركة لم تبعده عن الدراما السورية لكن ليس هناك فرص كما يجب وفي هذه السنة تفرغ لمسلسل «ظل» لأنه احتاج منه إلى جهد، مشيراً إلى أنه لا غنى له عن الدراما السورية فلولاها لما كان الآن حاضراً هنا وإذا تهيأ النص والشروط المناسبة فهو مستعد للمشاركة فيها مباشرة.

لـ «الوطن»: ذكرياتي بكل زاوية

وفي تصريح خاص لـ «الوطن» بين عبد المنعم عمايري أن: «هذا الملتقى مهم للطلاب لكي يلتقوا وينهلوا من تجربة الأشخاص الذين أثروا في المعهد وفي الحركة الفنية فهناك الكثير من الشخصيات التي لم تدرس في المعهد لكن لديها خبرة بفن التمثيل بكل أشكاله مثل السيدة منى واصف، وأنا مع هذه السياسة بأن تتبعها كل عمادة أو جهاز تدريسي معين لكن من دون استهلاك هذا الموضوع فليس من الصحيح دائماً دخول الصحافة إلى المعهد لكن هناك لحظات معينة مثل الآن تفتح مجالاً للطلاب وللصحافة لتسأل وتتلقى إجابات الضيوف لكن من دون استهلاك».

وأشار إلى أن: «هذا المكان أخذ ثلاثة أرباع حياتي والربع المتبقي ضاع بين الزحام فأكيد هو يجمع ذكرياتي بكل زاوية وبقعة وحجر وبكل لحظة سقطت فيها وأصبت بدروس الليونة الصعبة فبالتالي له خصوصية كبيرة أثرت بقلبي كثيراً وأتمنى أن أعود له بالقريب العاجل».

رقم صعب

كما بين عميد المعهد العالي للفنون المسرحية الدكتور تامر العربيد: «نحن اليوم سعيدون لاستمرار ملتقى الإبداع ولاستضافته لهذه القامات المهمة في مؤسستنا الإبداعية واليوم عبد المنعم عمايري واحد من الخريجين المبدعين في هذا المعهد وطالب مميز وأستاذ أشرف على أكثر من دفعة وهو رقم صعب في الدراما السورية والعربية».

وأكد أن كل ضيف قدم إضافة خاصة للطلاب من إبداعه ومهاراته وأن الملتقى سيستمر وضيوفه سيستمرون بالتوافد إلى هذا المكان ليستزيد طلاب المعهد من التجارب وهذا ما يميز ملتقى الإبداع ويميز المستوى الذي وصل إليه من خلال القامات الفنية الكبيرة التي زارت المعهد وحضرت على مسرح سعد اللـه ونوس لتقدم تجاربها وصنعت هذا الحوار الأكاديمي العفوي المشاكس الجريء مع الطلبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن