ثقافة وفن

من حكايا البطولة وعشق الوطن … «الوطن» تعرض من ذكريات عبد القادر العجلاني مآثر الطيران السوري

| إسماعيل مروة

سمعنا وعاصرنا مرات عن حوادث القرصنة والاختطاف والاعتداء من الكيان الصهيوني على أرضنا ومنشآتنا ومطاراتنا وطيراننا المدني، فقد روّع مرات عدة المدنيين، واختطف الطائرات المدنية في مرات عدة، وكان بعضنا يستغرب مثل هذه التصرفات والاعتداءات، إذ لا يسمح العرف الإنساني بمثل هذه التصرفات والقرصنة في أوقات السلم، وتجاه المدنيين، فإن كانت الأهداف العسكرية مباحة للمتقاتلين، فإن المدنيين في حماية العُرف والقوانين والأخلاق.

وهذه الصفحات التي نعيد نشرها اليوم تعود أحداثها إلى عام 1954 وقد أمدّنا بها الكابتن الطيار عامر العجلاني من أرشيف والده الراحل ضابط اللاسلكي في شركة الطيران السورية، وتروي الصحافة بمختلف مشاربها وتوجهاتها عملية اختطاف طائرة مدنية سورية من الجو إلى مطار اللدّ في فلسطين المحتلة، ويروي العجلاني تفاصيل ما جرى في هذه الجريمة النكراء.

هذا في الحكاية الأولى أما الثانية فتحكي بطولة طاقم طائرة وجد نفسه أمام الموت، لكن بطولتهم أوصلتهم إلى نهر الكونغو حيث كادت التماسيح تفترسهم.

والحكاية الثالثة تحكي شجاعة الطيارين السوريين، وربما كانت هذه الحادثة من أوائل ما تعرضت له الطائرات السورية، وفيما بعد حدثت أكثر من حادثة أثبتت تفوق الطيار السوري وقدرته على المراوغة، وحبه للبطولة حين طائرة في بدايات رحلتنا مع الطيران للاحتراق، واستطاع طاقمها أن ينزل بها في القامشلي السورية..

وقد كانت الصحافة السورية مواكبة لهذه الحوادث الثلاث و«الوطن» تسترجعها صوراً من بطولة السوريين وشجاعتهم، وتقدمها تحية لأرواحهم الطاهرة.

1- الحكاية الأولى:

تعرض الطائرة المدنية السورية للاختطاف من الطيران الصهيوني في الجو في 6/12/1954 وقد واكبت الصحافة هذه الحادثة من لحظة اختطاف الطائرة حتى عودتها، وشاركت الصحافة المصرية في تغطية الحدث، وكشف الملابسات لوجود سيدة مصرية على متن الطائرة.

وفي مجلة «الأجواء» يحكي عبد القادر العجلاني الحكاية من ذاكرته في «أيام لا تنسى».

جريدة العلم لعزة حصرية 6/12 1954

– بعد أن عادت الطائرة السورية إلى مطار المزة من معركة القرصنة اليهودية.

– الأذان والصلاة ممنوعان في اللد العربية.

– اليهود يسألون ركاب الطائرة عن أوضاع البلاد العربية ومهمة كل راكب بالتفصيل.

وصول الطائرة السورية المختطفة إلى مطار المزة في الساعة الرابعة والدقيقة العاشرة بعد ظهر أمس، حيث كان في استقبالها الرئيس موفق الخاني مدير الخطوط الجوية السورية وعدد من الضباط والسيد شاكر الأنطاكي معاون مدير الشرطة، كما استقبلها كل من كان في المطار استقبالاً رائعاً.

جريدة البناء الجديد 15/12 1954
عصام المحايري

أطعموهم الخبز والبصل وشوربة الماء، وزجوهم في معتقل صرفند وهدد وهم بالسجن تحت الأرض، لكنهم صمدوا.

قصة الطائرة السورية العائدة على ألسنة ملاحيها الأبطال.

كيف اختطفوا وكيف اعتقلوا وكيف عادوا؟

«أفرجت السلطات اليهودية عن الطائرة السورية، عادت الطائرة وملاحوها إلى دمشق أمس. ذهبت البناء إليهم وسألتهم عن القصة، تحدث بعضهم فرووا قصة القرصنة اليهودية كاملة، كيف اختطفتهم الطائرات اليهودية وأرغمتهم على الهبوط في مطار اللد المحتل.. كيف عوملوا من قبل اليهود، كيف استجوبوا ومن قبل من؟ ماذا أكلوا وأين ناموا؟ كيف كانت معنوياتهم في الأسر؟ كيف دفعوا ليسجلوا شريطاً للإذاعة اليهودية؟ كيف أفرج عنهم وطاروا إلى دمشق؟

قال أحد العائدين: إن الضابط وهبة كان صلب العود عنيداً عند التحقيق معه.

كان في استقبال الطائرة العائدة، الوفد السوري في لجنة الهدنة المشتركة والرئيس موفق الخاني مدير عام شركة الخطوط الجوية السورية وبعض رجال الصحافة.

كان على متنها خمسة ركاب هم: السيدة صبيحة المنزلاوي كانت في زيارة عائلتها بدمشق، وعادت إلى القاهرة، حيث يقيم زوجها وهو محامٍ مصري والسيد شريف قطمة أحد موظفي وزارة الخارجية السورية والملازم أول عادل مغربية ضابط في الجمارك والسيد أنطون أسود وهو تاجر من حلب والمستر رالف هتسون وهو رجل أعمال تركي.

الملاحون كانوا خمسة هم:

الكابتن باسبلي قائد الطائرة وهو يوناني.

الملازم أول عبده وهبة مساعد القائد.

السيد عبد القادر العجلاني ضابط اللاسلكي.

السيد حسن سيد إسماعيل مهندس الطائرة – مصري.

الآنسة كلير فشريم مضيفة الطائرة.

الجيل الجديد القاهرة 30 ديسمبر 1954
صبيحة المنزلاوي

تروي قصة 30 ساعة في إسرائيل

إن السيدة صبيحة المنزلاوي في حلم عجيب، فقد مرت حياتها بتجربة عجيبة، ودفعت من عمرها 30 ساعة لم تخطر لها على بال، غادرت أهلها في دمشق وفي خيالها زوجها وولداها علي وعمر، وكانت تسابق الزمن لتصل إلى القاهرة.

إن السيدة صبيحة المنزلاوي تروي قصة 30 ساعة في إسرائيل حتى عانقت زوجها واحتضنت ولديها.

إسرائيل تبحث عن رهائن لإنقاذ 13 جاسوساً في القاهرة و5 في دمشق.

كانت تحرسنا حارسة صينية وحقق معنا محقق من مصر.

مجلة الأجواء عدد أيار- حزيران 1964
يروي عبد القادر العجلاني

في الساعة السابعة والدقيقة العاشرة من صباح الأحد 12 كانون الأول 1954 أقلعت طائرة من نوع الداكوتا تابعة لشركة الخطوط الجوية السورية من مطار المزة، في رحلتها نصف الأسبوعية المعتادة إلى القاهرة تقل عدداً من الركاب ذوي الجنسيات المختلفة، وكنت أنا ضابط اللاسلكي على هذه الطائرة التي كانت بقيادة الطيار بازيل تولوموزغلو..

بعد عشرين دقيقة تقريباً لفت نظرنا وجود طائرتين تدوران وتلفان حول طائرتنا، وفجأة لاحظنا نجمة إسرائيل على أجنحة الطائرة.. وبأمر من قائد الطائرة اتصلت بمطار دمشق وأعلمت الموظف المسؤول بأننا تلقينا تهديداً من الطائرتين بوجوب مرافقتهما إلى مطار اللد. ثم لمحنا طائرتين مقاتلتين أخريين تنضمان لمرافقتنا.. بعد 25 دقيقة كنا في مطار اللد، وتأكد لنا أن الموضوع مبيت.

كان الاستقبال في البداية ودياً، وقضينا الليلة الأولى في فندق المطار ولم يسمح لنا بالتحدث مع بعض، وفي اليوم الثاني استمر الاستجواب فلم يخرجوا بشيء جديد، ونقلونا إلى معتقل بناء حربي قديم، وبدأنا نتنبأ عن مصيرنا وكنا: شريف قطمة موظف في الخارجية، والملازم أول عبده وهبة، والملازم أول بالجمارك عادل مغربية، وصارت المعاملة سيئة واستمرت في اليوم الذي يليه.

كانت الاتصالات التي قامت بها الجهات المختصة في سورية قد أثمرت وتم الإفراج عنا، أخذنا نفحص الطائرة ونختبر آلاتها وأجهزتها خشية أن يكون الصهيونيون الغادرون قد فعلوا بها أو دسوا شيئاً، وحين وجدنا طائرتنا صحيحة سليمة أقلعنا بالطائرة إقلاعاً يكاد يكون عمودياً، وحلقنا في الجو متجهين إلى أرض الوطن الحبيب.

الحكاية الثانية في نهر الكونغو

انقطع الاتصال بين الطائرة والمطارات، وباءت محاولات ضابط اللاسلكي العجلاني بالفشل، وكانت المهارة في إنزال الطائرة بطريقة فنية في نهر الكونغو الكبير، ومن ثم مقاومة التماسيح والنجاة.

الأجواء آذار 1964 – أيام لا تنسى
عبد القادر العجلاني ضابط اللاسلكي في الطائرة

بين ليوبو لدانفيل وبرازافيل انقطع الاتصال بينهما وبين الطائرة ونفد وقودها.

لمحنا من الجو نوراً صادراً من سارية إحدى السفن العائمة على سطح الماء فقررنا محاولة جريئة للوصول قريباً منها أملاً في النجاة.

بين الحياة والموت ربط الجميع أطواق النجاة، وأمسكت أنا بمكرفون جهاز اللاسلكي ولآخر مرة بيدي وأخذت أنادي المطارات كلها في آخر محاولة يائسة، ولكن الصمت ظل مخيماً.

أنا أبلغت لاسلكياً كل من يمكن أن يسمعني بأننا سنهبط على سطح المياه، وطلبت الاستغاثات للمرة الأخيرة وتركت الأجهزة اللاسلكية جميعها مفتوحة لتعمل على الطائرة من تلقاء نفسها.

يجب أن تهبط الطائرة على مقربة من السفينة حتى تتمكن السفينة من إنقاذ الأحياء أحسسنا بذيل الطائرة يشق الماء وأحسسنا بها تنساب انسياباً طبيعياً فوق صفحة المياه.. لقد تم كل شيء في أقل من لحظات وأحسسنا بالطائرة تهتز اهتزازاً خفيفاً وتبع ذلك ملامسة جناحي الطائرة للماء.

أمسكت بذيل البنطلون بأسناني إذ لم يعد لدي القوة الكافية للضغط بيدي على البنطلون وبهذا استطعت أن أصل إلى ذيل الطائرة ووقفت جانب زملائي.

بدأ معاوية كرد علي وهو على جناح الطائرة يلوح للسفينة بقميص، وغاصت الطائرة قليلاً وارتفعت المياه وتحركت السفينة في اتجاه الطائرة.

لم ينجدونا مباشرة لأنهم ظنوها طائرة مائية بلجيكية تريد مهاجمة السفينة.

كل خمسة عشر يوماً تمر باخرة من هذا النهر العظيم، وهذه المرة تأخرت 24 ساعة لتنقذنا.

على شاطى النهر استقبلت استقبالاً حاراً حضره معاون وزارة الخارجية، ونقلنا إلى السوق حيث اشترى لنا ألبسة وأحذية ثم نقلنا إلى أكرا حيث كنا في خدمة حكومتها.

أخبار اليوم- نشأت التغلبي 17/9/1960

بقلم نشأت التغلبي تحقيق: دعوا ذيل الطائرة يلمس الماء.. إننا نواجه الموت

صراع مع التيار والتماسيح

ثمن الحياة بنطلون وقطعة قميص

الأيام 26/9/1960

طيار دمشقي بين فكي تمساح في الكونغو

رأيت الموت بعيني ثلاث مرات وعدت إلى الحياة

أكلت لحم التماسيح بدلاً من أن تأكلني

الحكاية الثالثة: احتراق في القامشلي

الطقس وسوء الأحوال الجوية يجبر طائرة «داكوتا» مدنية تابعة للخطوط العربية المتحدة للهبوط الاضطراري لينجو ركابها، عدا راكبة واحدة هي امتثال الخطيب أصيبت بإغماء وحروق وفارقت الحياة.

الأيام- نصوح بابيل 7/5/1961
احتراق طائرة بالقامشلي

أدت رداءة الطقس وسوء الأحوال الجوية في منطقة القامشلي أمس إلى احتراق طائرة ركاب داكوتا تابعة للخطوط العربية المتحدة بعد هبوط اضطراري تمكن ركابها السبعة بمن فيهم ثلاثة ضباط ومضيفان من النجاة عدا سيدة اسمها امتثال الخطيب أصيبت بإغماء وهي داخل الطائرة، استطاع الملازم أكرم بلش ورئيس الأمن العام فريد موقع إنقاذها من الطائرة إلا أنها لفظت أنفاسها في المستشفى متأثرة بجروحها.

أوراق مشرفة من تاريخ الطيران السوري، ومن حياة السوريين الذين نقرأ من أفعالهم وضعهم لأنفسهم تحت تصرف الدولة والوطن في الاختطاف، وفي الكونغو، وفي الوطن، ونحن إذ نشكر الكابتن العجلاني أن أطلعنا على الأوراق في أرشيف والده، فإننا نستذكر الصحافة السورية القوية والوطنية، التي استطاعت أن تؤسس لنهضة إعلامية مبكرة حفظت لنا هذه الأحداث المهمة في تاريخنا الحديث، لنعلم أن ما نعرفه من بطولات هو خُلقّ في سورية والسوريين دون أن تكون لهم غايات محددة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن