ثقافة وفن

مجمع اللغة العربية يكرّم د. موفق دعبول بعد رحيله.. العالم الجليل كان أكبر مما عرفه العارفون وتحدثوا عنه وعن خبراته!

| إسماعيل مروة

لم يكن شخصاً عادياً في حياته

ولم يكن مدرساً عادياً تقليدياً

ولم يكن عالماً في جانب واحد

ولم يقتصر أثره على الجانب العلمي في ميدانه، بل كان ثرياً للغاية، أثرى الحياة العلمية والثقافية واللغوية والاجتماعية والإنسانية، لقد كان الدكتور الراحل موفق دعبول نسيجاً مختلفاً في حياته ومحيطه وحياة كل من عرفه، ولست أدري الأسباب التي تجعلنا نحجم عن أن نتحدث عن الأشخاص في وجودهم أو بعد رحيلهم بأريحية مطلقة، فالأمور الخارجة عن المألوف لا تكون في الخوارق، بل هي في التزام الواجب والمنطق أكثر قيمة، لأنها تمثل قيمة تحتذى.

التأبين والتكريم

رحل الدكتور موفق دعبول، و«الوطن» كرمته في رحيله، واعتنت بسيرته العلمية والإنسانية الراقية، وصدر عن مجمع اللغة العربية كرّاس أو فصلة ورقية تضم حفل تأبينه، ومن الغريب أن هذه الكراسة لم تضم سوى كلمات ألقيت في التأبين، وهي على جلالتها، لم تحو سيرة ذاتية وعلمية موسعة وذات فائدة، فقد لا تيسر السبيل لإخراج شيء قادم منه أو عن سواه! وإضافة ملزمة أو اثنتين كان من الممكن أن تحقق فائدة أعلى، وأعرف أن الذين تحدثوا وأسهموا يعرفون عن الدكتور دعبول الكثير، لكنهم اكتفوا بالإشارة إليه، باستثناء ما قدمه طالبه وصديقه د. محمود باكير وابنه د. بشر دعبول، وبعض ما تحدث به د. خضر الأحمد من مغتربه.

الدراسة والعلم

من محاسن ما وقع لي أنني كنت قريباً من الدكتور موفق دعبول وألتقيه أكثر من مرة في العام، وأذكر أن الأستاذ عادل عساف وهو قريب منه من جهة أم يمان ووالدة عادل كان يجمع كتباً منوعة، فسألته، وعرفت أن الدكتور موفق يؤسس مكتبة في منشأة اقتصادية تخصه وتخصّ إخوته ليقرأ العمال في أوقات فراغهم!! وهذه مرة جديدة أسمع باسمه وببادرة نادرة، وأول مرة سمعت به كانت من الراحل الكبير الدكتور صلاح الأحمد العالم الكبير في الرياضيات، وكنت ألتقيه في مركز البحوث فحدثني عن زمالته له وعن أخلاقه وعلمه، ما دفعني لطلب لقائه وكان، وحين أخبرته عن رأي الدكتور صلاح قال لي: هذا من حبه، فهو أستاذنا جميعاً..

تحاورت معه، وصارت جلساتنا المتباعدة زاداً معرفياً وحياتياً لي، وهو أصغر من حصل على شهادة دكتوراه في تاريخ سورية وكادوا في جامعة دمشق يحرمونه المعادلة بسبب المدة وصغر سنه، لكنه أثبت علمه.

تحدث في الكراسة د. مروان المحاسني رئيس المجمع رحمه الله، والدكتور محمد يسار عابدين رئيس الجامعة في حينها، والدكتور محمود السيد رئيس المجمع الحالي، وصديق الفقيد الدكتور خضر الأحمد، وطالب الفقيد الدكتور محمود باكير، وأسرة الفقيد للدكتور بشر دعبول، وهي كلمات رسمية ووجدانية مؤثرة، ولكنها باستثناء كلمات خضر الأحمد ومحمود باكير وبشر دعبول تتسم بالرسمية التي تذكر محاسن عامة للفقيد، ولكن الجوانب الأكثر أهمية، والتي تتناول آليات تمثل الروح العلمية في الحياة ومنهجها لم يتطرق إليها المتحدثون، وأزعم أنهم يعرفون الكثير منها، مثل ما رأيته عن احترامه للعمال وتأسيس مكتبة لهم، فهو لا يؤمن بالكتاب وحسب، بل يؤمن به ويؤمّنه، ويسهّل الوصول إليه، ولا يطلب الحق لنفسه فقط، وهذا حقه، بل يطلبه للآخرين، وربما دفع أثماناً باهظة لتحقيق ذلك لمن وقع عليه ظلم.

في الجوانب العلمية والثقافية

تحدث الدكتور المحاسني ود. السيد حول الجوانب العلمية عند د. دعبول، وتناول كل من زاويته إسهاماته وجهوده ودرجاته العلمية التي حصل عليها والمواقع التي كان يشغلها، وركزا على الجوانب الأكاديمية والمعلوماتية ودوره في الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية، وفي كلية المعلوماتية المحدثة يومها في جامعة دمشق، وكذلك تحدث د. باكير عن دعبول الأستاذ الرياضي المهم والمدرس ورئيس القسم والمتابع دوماً لكل ما يجري، ولكن د. خضر الأحمد يشير إلى جانب مهم في حياة الدكتور دعبول عندما راجع كل الملفات وأنصف الطلاب الذين وقع عليهم الظلم في الإيفاد، وإشارته غاية في القيمة بأن الدكتور دعبول استراح عندما استطاع أن يعيد إليهم حقوقهم التي أخذت منهم بظلم، وكانت جوانبه المهمة التي لها قيمة إضافية، وهي مشاركته في تأسيس الجامعات الخاصة من جامعة القلمون إلى جامعة اليرموك الخاصة.. وجميع هذه الجوانب يمكن أن يقوم بها أي شخص، فهذا انتقل من وزارة إلى أخرى، ومن مهمة إلى أخرى، وكان دائم العمل في الوظيفة، ولم ينزل عن صهوة المناصب، لكن ماذا ترك من أثر؟ ليس في جانب واحد، ليس في جانبه العلمي، أو الإداري، أو غيره، ولكن في الجوانب المختلفة..

الأثر والتربية والذات

هذا الجانب وقف عنده بإشارات سريعة الدكتور بشر دعبول ابن الدكتور موفق، وذلك حسب ما يقتضي المقام، وللحق فإن هذه الوقفة تشير إلى جانب مهم من جوانب تربيته، وكنت أتمنى أن يتم العمل على جمع هذه القصص والتجربة الحياتية في كتاب، علماً بأن الدكتور موفق وفي حياته جمع رسائله إلى أولاده وبناته في أثناء حياته، وعمل على نشرها بالشكل اللائق، وتستحق منا القراءة والتمعن أكثر مما حصل معها، لأنها شكلت منهجاً مؤسساً لحياة مجتمع وأسرة ولم يقف عند حدود أسرته وحدها..

الجانب المغفل من كل ضوء

أثناء ترددي إلى الدكتور موفق دعبول على فترات كنت أجلس معه جلسات طويلة وتأخذنا الأحاديث، ويقدم لي بعض الإصدارات العلمية أو الذاتية، ولكن خلال هذه الزيارات اطلعت بالمصادفة البحتة على قضايا بعض الناس والأسر في المجتمع الذين تتولاهم المؤسسات التي تحت مظلته، فالأوراق الثبوتية اللازمة تجعل أسرة تحت إشرافهم، وتأمين فرص العمل لمن يستحق، ودفع المبالغ المالية الكبرى ودون أي نوع من الإعلان والإعلام.

وإشرافه على بعض الجمعيات الخيرية والتعليمية، ويشرف عليها علمياً ومادياً وروحياً دون أن يعرف كثيرون عن هذه الجهود كانت ترفع الدكتور موفق عندي درجات.

وكنت أسمع من بعض شائيه نقداً له، لا لشيء إلا لأنه يحيا بصورة لائقة، ويعرف كيف يتنعم بماله ويغدق على الآخرين، وبالمناسبة فقد كانت له ملاحظات ذات قيمة على الفهم للدين والتزامه قولاً وفعلاً.

ومن النوادر التي لا تحدث ذكر لي أحد أصدقائي وصحبتي معه فكنت شاهداً بأنه رجا الدكتور ذات يوم أن يضع لديه مبلغاً من المال لتشغيله فأبى لأنه لا يفعل ذلك، وليس بحاجة، لكن تحت الإلحاح فعل، وبعد وفاة العالم الجليل قام صديقي بسحب المبلغ لظرف خاص، فكان عند حفيده معززاً مكرماً، وانتهى كل شيء، ولكن يأتيه هاتف على غير توقع من الحفيد ليقول له: تفضل لك مبلغ عندنا لأنك سحبت الأموال في غير وقتها فبقيت لك أرباح اكتملت مع الدورة الحسابية..!

هذا جانب يجب أن يطرح في آليات التعامل، وفي المنهج الذي أسسه د. موفق لأبنائه وأسرته، وقد وعدت صديقي أن أعرض هذا الجانب، فأي منهج حياتي وتربوي واقتصادي ومالي هذا؟

هل هناك أعمق من هذا الأثر؟ أزعم أن د. موفق دعبول يستحق دراسات، وأن تجمع آراء الناس حوله لنعرف أي شخص كان هذا، ولا يكفي أن نقول: أمضى حياته.. لقد مضى كما لم يمض سواه، وترك مدرسة من النزاهة المالية والاقتصادية والفكرية.

وأنتظر، وأحثّ على إنجاز آثاره العلمية ومنهجه التربوي والإنساني في مرحلة لاحقة، وأسرته قادرة بحبها له واتباعها لتوجيهاته.

وهذا الحفيد هو عبد الرحمن ابن الدكتور بشر الذي طلب د. موفق من أبيه أن يتركه له في حال سفره ليزرع فيه مبادئه، وهو المتخصص في التجارة والمال، فكان على دربه وبأخلاقه أليست حالة بحاجة للتعميم والدراسة لتقول:

المجتمع السوري بخير بهذه الأخلاق والمبادئ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن