قضايا وآراء

درس الكرد.. وتنبيهات محمد كرد علي

| مازن جبور

كان ولا يزال من أهم أهداف الحرب في سورية وعليها، إضعاف الدولة، وإثارة الفوضى، وتغذية النزعات ما قبل الوطنية، كالإثنية والطائفية والمذهبية والعشائرية والعائلية، ومن ثم منع عودة الدولة الوطنية ذات السيادة.

وقد سعت واشنطن وحلفاؤها لتنفيذ إستراتيجيتهم الإمبريالية التي تهدف إلى القضاء على الدولة السورية، ككيان ودولة وشعب أو على الأقل إضعافها، وإنهاء دورها كدولة مقاومة، مساندة لحقوق الشعب الفلسطيني، وإلغاء الحقوق السورية في الجولان، والقضاء على سيادتها.

لقد فجرت الحرب في سورية وعليها، العديد من المشكلات والأزمات، بعضها رئيسي وأساسي، وأغلبها مشكلات فرعية وثانوية يمكن التغلب عليها، ولعل من أهم المشكلات التي أظهرتها تداعيات الحرب، هي «المشكلة الكردية»، وكما أن هذه المشكلة ليست بجديدة وبرزت مجدداً من خلال المشروع الأميركي- الإسرائيلي التقسيمي لسورية، وهو مشروع قديم أصله فرنسي بدأ بعد الانتداب على سورية في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث سعت فرنسا حينها إلى إقامة كيان يضم الكرد والآشوريين وبعض القبائل العربية تحت الحماية الفرنسية ويدار من حاكم فرنسي، وذلك في الجزيرة السورية، أما اليوم فإن المشروع تقوده واشنطن وكيان الاحتلال بدعم أوروبي، إذ يمكن القول إن المشروع واحد والهدف واحد والأداة ذاتها لكن اختلف المدير الفعلي للمشروع من باريس إلى واشنطن.

يعود ظهور مصطلح «كردستان» كمصطلح جغرافي إلى القرن الثاني عشر، واستخدم للدلالة على «الإمارات» الكردية في إيران وتركيا، وجرى تحديد لخريطة كردستان الجغرافية أيدته لجنة عصبة الأمم المتحدة عام 1920، وهي تقع ما بين خطي العرض 34 و40 شمالاً وخطي الطول 38 و48 شرقاً بمساحة بلغت 410 آلاف كيلو متر مربع، توزعت ما بين تركيا والعراق وإيران، إلا أن معاهدة لوزان لعام 1923 نسفت مشروع الكيان السياسي الكردي في تركيا، وخضع الكرد الأتراك لسياسة التتريك والقمع الكمالية فقاموا بثورات بين عامي 1925 و1938، وقمعت ثوراتهم بعنف، ونجمت عنها هجرات واسعة إلى الجزيرة السورية، ما أدى إلى تعاظم الوجود الكردي فيها، فجاءت تلك الهجرات متوافقة مع السياسات الإثنية الفرنسية.

نشأ نتيجة هذا التوافق بين المشروع الإثني الفرنسي، وسياسة الكماليين في التهجير والتتريك، في الجزيرة السورية، مجتمع محلي مركب، ومندمج في السكان الأصليين، وبينما كانت التركيبة الاجتماعية للمهاجرين تتيح إمكانية التكامل الاجتماعي بحكم التاريخ والجغرافيا، فإن سياسات الهوية الفرنسية، عملت على تعميق الفوارق عبر قومنة الهويات وتسييسها، لاستخدام المجموعات المهاجرة ضد الحركة الوطنية في الداخل السوري، ولخدمة المشروع الفرنسي التقسيمي، فسعت إلى التفريق بين أبناء المنطقة ما أدى إلى فوضى اجتماعية في الجزيرة.

أوفدت الحكومة وزير المعارف في ذلك الوقت، محمد كرد علي، إلى الجزيرة لدراسة الواقع، فأعد تقريراً في أواخر عام 1931، حذر فيه من مخاطر الهجرة من تركيا على أمن سورية، واقترح «إسكان المهاجرين… في أماكن بعيدة عن حدود كردستان لئلا تحدث من وجودهم… مشكلات سياسية تؤدي إلى اقتطاع الجزيرة من جسم الدولة السورية…»، وأن «يمتزج الكرد والأرمن بالعرب في القرى الواقعة في أواسط البلاد، لا على حدودها…».

يبدو أن تحذيرات محمد كرد علي كانت حقيقية، إذ بات خطر التقسيم يهدد سورية من مناطق حدودية مختلفة، «الكيانية الكردية» في شمال شرق البلاد ضمن المشروع الأميركي- الصهيوني – الأوروبي، بؤرة الإرهاب في التنف برعاية أميركية، وصولاً إلى «المنطقة الآمنة» على الشريط الحدودي الشمالي للبلاد وبؤرة الإرهاب في إدلب برعاية تركية، الإشارات الأردنية إلى ما يسمى «منطقة عازلة»، والدور الخبيث لكيان الاحتلال في الجنوب.

المؤكد أن أي مشروع تقسيمي لسورية مصيره الفشل، وفق ما أثبتته التجارب خلال سنوات الأزمة السورية مع «الإمارات» و«الدويلات» التي دأبت التنظيمات الإرهابية على إقامتها، إذ إن الدولة السورية لن تقف مكتوفة الأيدي في مواجهتها، وعموماً سيكون من المستحيل على أي «كيان» ضمان استمراريته، حتى في حال تشكله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن