قضايا وآراء

الطريق ليس مفروشاً بالورود

| سيلفا رزوق

استعادت أنقرة وعلى لسان المتحدث باسم رئاستها، خلال الأيام الماضية مجدداً، مفردات الحديث عن تنسيق أمني يجري بينها وبين دمشق، كانت أشارت له في مرات سابقة مفسحة المجال مرة أخرى لفتح باب التأويل والتحليل على مصراعيه حول طبيعة هذا التنسيق ومساراته، لاسيما أن استعادة هذه المفردات تزامنت مع مواصلة الرئيس التركي تهديداته بشن عدوان جديد على الأراضي السورية تحت مسمى «المنطقة الآمنة» المزعومة.

لاشك في أن الحديث التركي على لسان المتحدث الرئاسي إبراهيم قالن عن حصول اتصالات استخباراتية لكن من دون تواصل سياسي، حصل على صداه الذي أرادته أنقرة، فإشاعة مثل هذا العنوان جاء في ظل التحولات الجذرية التي تشهدها المنطقة وانزياح التحالفات نحو ضفة جديدة جمعت للمرة الأولى ومنذ سنوات الإمارات وتركيا وقطر ومعها السعودية في الاتجاه ذاته من دون أن ننسى الحديث الإيراني عن قرب توقيع مذكرة تعاون إستراتيجي بينها وبين تركيا قريباً.

الحديث عن الانزياحات وإعادة تشكيل التحالفات على إيقاع التطورات الدولية التي فرضتها الحرب الأوكرانية، وتداعياتها الاقتصادية التي باتت تخنق حتى كبريات الاقتصادات العالمية، لا يعني بالتأكيد أن الأمر سينسحب بالضرورة وبالصورة ذاتها على الملف السوري، حيث التعقيدات الميدانية تستدعي التريث كثيراً قبل الانجرار وراء تصريح من هنا وصورة من هناك.

تركيا التي ما زالت تشتغل وبكل ما أوتيت من علاقات وأوراق ابتزاز للحصول على ما حلمت به طوال سنوات الحرب على سورية لاسيما في الشمال السوري، ليست بالتأكيد بوارد البحث عن حلول لعلاقتها مع دمشق، كما أن إعطاء صبغة إنسانية لمشروع احتلالي عدواني ساع لإحداث تغيير ديموغرافي خطير وصولاً إلى اقتطاع أجزاء من الأراضي السورية، لا يعني أن ننسى الوجه الحقيقي لمن كان له اليد الطولى في تدمير البلاد، ومن هنا يبدو التساؤل بدهياً عن السبب وراء إطلاق مثل هذه التصريحات عن اتصالات استخباراتية مع دمشق وفي هذا التوقيت.

الجواب عن هذا التساؤل مرتبط مباشرة بملف «اللاجئين» السوريين في تركيا، الملف الأكثر إيلاماً لحزب العدالة والتنمية ولرئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان في ظل الانتخابات التركية القادمة، حيث تؤكد جميع المعطيات والمؤشرات أن هذا الملف يشكل اليوم العنوان الأول وربما الأوحد للصراع الداخلي التركي، حيث يحظى الاهتمام بحل هذا الملف بتأييد الأغلبية الكبرى من الأتراك لاسيما في ظل ارتفاع مستويات التضخم في البلاد والتساؤلات التي يطرحها هؤلاء عن الجدوى التي تحصلت عليها بلادهم جراء تورطها في الملف السوري والنتائج الخطيرة التي رتبها هذا التدخل أمنياً وسياسياً واقتصادياً.

دمشق التي لم يخرج عنها أي رد رسمي هذه المرة، لا يعني صمتها موافقة أو تأكيداً لمزاعم أنقرة المستجدة، فهي كانت قد ردت على تصريحات سابقة لوزير خارجية النظام التركي حول وجود مفاوضات مباشرة مع سورية في قضايا أمنية ومكافحة الإرهاب، ونفت نفياً قاطعاً وجود أي نوع من التواصل والمفاوضات وخاصة في مجال مكافحة الإرهاب، وأكدت في بيان لخارجيتها على موقفها الذي يعتبر أن النظام الحاكم في أنقرة هو الداعم الرئيس للإرهاب وهو من جعل من تركيا خزاناً للتطرف والإرهاب، كما ربط وزير الخارجية والمغتربين فيصل المقداد في تصريح سابق له حصول أي حوار أو تواصل مع أنقرة بإعلان تركيا استعدادها للانسحاب من الأراضي السورية، الأمر الذي لا يبدو أن أنقرة بوارده وهي تخطط لمزيد من المشاريع التوسعية في الشمال السوري.

ومع اقتراب موعد الانتخابات التركية يبدو أننا سنكون على موعد مع المزيد من المزاعم والتصريحات المرتبطة بالملف السوري، حيث يبرع النظام التركي باستخدام كل ما يلزم من أوراق وتصريحات مجانية يلعب فيها على جميع الخطوط، للتعمية على مشكلاته الداخلية التي بدأت تتفاقم وتهدد بانعكاسات انتخابية لن تسير وفقاً لما تشتهيه سفن «العدالة والتنمية».

صحيح أن الحرب الأوكرانية وما أفرزته من إعادة حتمية لتوزيع خرائط السطوة والنفوذ على مقاس حاجة العالم للطاقة، بما يشبه سيناريوهات ما بعد الحرب العالمية الثانية، تحتم على الجميع التفكير من منظور مختلف وهو ما بدأ بالفعل وعلى أكثر من صعيد دولي وإقليمي، غير أن تعقيدات الملف السوري تحمل أبعاداً مختلفة مرتبطة بعناوين إستراتيجية لا يمكن لدمشق المساومة عليها، وهذه العناوين المرتبطة بداية باستعادة سيادتها على كامل أراضيها، ولا يبدو أن الأرضية الدولية والإقليمية مهيأة للخوض فيها في هذا التوقيت الدولي حتى هذه اللحظة، والوقت الدولي لم يحن لإحداث خروقات تفضي إلى حلول مستقبلية، وهو ما تعبر عنه كل التصريحات والبيانات الصادرة عن الجهات الدولية والإقليمية ذات الصلة بهذا الملف.

«لا عداء دائماً ولا صداقة دائمة في السياسة بل مصلحة دائمة»، هو شعار يعرفه جيداً مشتغلو السياسة وقارئوها، وهذا الشعار طبق بحرفيته عندما رأينا عودة الدفء إلى علاقات دمشق مع العديد من الدول العربية التي كانت لها مواقف معروفة في بداية الحرب عليها، غير أن هذه الدول بطبيعة الحال لا تحتل جزءاً من الأراضي السورية ولا تعلن مشاريعها الخطيرة الهادفة لتقسيمها، وعليه بدت هذه العودة أسرع مما اعتقده الكثيرون، أما الحديث عن العلاقة السورية – التركية فدونه الكثير الكثير من الخطوات التي لابد لأنقرة من إعلان استعدادها للخوض بها إذا ما أرادت الخير للسوريين وللأتراك أنفسهم كما يدعي نظامها حتى الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن