من دفتر الوطن

سوراقيا

| حسن م. يوسف

بين وقت وآخر تتناقل وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حكايات مؤثرة عن الحفاوة التي يبديها أخوة عراقيون عندما يلتقون شخصاً سورياً في الخارج تعبيراً عن امتنانهم للحفاوة التي قوبلوا بها قبل وإبَّان العدوان الأميركي الغاشم على وطنهم العراق. والحقيقة أن العلاقة بين سورية والعراق ليست وليدة الأمس بل هي قديمة قدم تاريخ (الهلال الخصيب)، حيث أن كثيرين من أبناء سورية والعراق ينظرون إليهما كبلد واحد يسمونه «سوراقيا». ولقد عبر المفكر العراقي عبد الحسين شعبان عن مشاعر كثير من أبناء وطنه عندما قال: «لم أشعر بالأمان في أي بلد عربي أكثر من الشام»… و«لم يترك أحد من العراقيين الشام، حسب علمي إلا وبكى حسرة عليها وألماً لفراقها».

وقد عشت حكاية مؤثرة مع أخ عراقي أثناء زيارتنا، المخرج الصديق نجدة إسماعيل أنزور وأنا، للعاصمة الدانماركية لحضور الندوة الدولية التي أقامها قسم الدراسات الثقافية والإقليمية المقارنة في جامعة كوبنهاغن حول مسلسلي «سقف العالم» يومي الخامس عشر والسادس عشر من آذار 2010، بمشاركة باحثين من عدة دول أوروبية إضافة إلى رئيس وأساتذة وطلاب القسم.

خلال اليوم الثاني تلقيت دعوة لحضور حفل غداء رسمي على شرف المشاركين في الندوة، ونظراً لأنني، خلال كتابة المسلسل، كنت قد اكتشفت مدى تغلغل الصهاينة في الأوساط الدانماركية فقد طلبت الاطلاع على أسماء المدعوين، وعندما وجدت اسم الصحفي فيلمينغ روز بينهم اعتذرت عن تلبية الدعوة لأنني أعلم علم اليقين أن هذا اليهودي الأوكراني صهيوني متعصب وعميل للموساد، فهو من كَلَّف الفنانين الدانماركيين برسم لوحات كاريكاتيرية يتطاولون فيها على النبي محمد صلى اللـه عليه وسلم لنشرها في جريدة «ييلاندس بوستن»، أي إن الرسوم تمت بتكليف، وهي جزء من عملية استخبارية موسادية، هدفُها كسر حالة التعاطف المتنامية بين الدانماركيين مع القضايا العربية.

حاول من أبلغني الدعوة أن يستفزني كي أحضر إذ قال: « من يهرب من الحوار هو الطرف الأضعف». فأجبته: «أنا مستعد أن أفند مزاعم هذا الصهيوني أمام برلمانكم أو على شاشة أي من تلفزيوناتكم، لكنني أرفض أن أتناول الطعام معه لأنه عدو شعبي». ولكي أفهم الرجل أن قراري لا رجعة عنه، حجزتُ على مسمع منه بطاقة لحضور فيلم «أفاتار» في صالة Imax وطلبت سيارة تكسي لنقلي إلى الصالة. وقد علمت تالياً أن الغداء قد ألغي لأن الصديق نجدة قد اعتذر بدوره عن الحضور.

فوجئت بأن سائق التكسي عراقي من بغداد، وقد بقي طول الطريق يحدثني عن الشام ويسألني عن تفاصيل فيها وقد طفر الدمع من عيني عندما راح الرجل يحدثني بصوت متهدج عما جرى له عندما نزح مع عائلته إلى سورية. «فتحت لي سورية أحضانها» و«أكرمتني كواحد من أبنائها».

أمام صالة السينما أبعد الرجل يدي الممدودة بالمال قائلاً: «واصل من الشام»! وهكذا دخلت مع ذلك السائق في جدال لفت أنظار المارة، وعندما أبلغته أنني لن أنزل من التكسي ما لم يأخذ أجره، قال بتأثر: «اسمح لي أن أرد شيئاً من فضل سورية عليَّ»! ولكيلا أتأخر على الفيلم قبلت أن يتنازل لي عن أجره كسائق على أن يتقاضى مني حصة الشركة المالكة للسيارة، وافق الرجل شريطة أن أعطيه بطاقتي، وهكذا كسبت صديقاً لم تنقطع اتصالاته الهاتفية للاطمئنان علي، إلا قبل عامين.

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن