قضايا وآراء

بايدن في بلد الحرمين يبحث عن كبش فداء.. هل ينهض العرب من جديد؟

| فراس عزيز ديب

في الرواية الدينية تبدو فريضة الحج فرصة للتوبة والتخلص من الذنوب، على هذا الأساس أبى موسم الحج هذا العام أن ينتهي إلا وهو يحملُ في طيَّاتهِ حجاً سياسيَّاً تجسَّد بالزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي جو بايدن إلى المملكة العربية السعودية، زيارة مهما حاولَ الإعلام الأميركي إظهارها بواقعٍ مختلف ومهما حاولَ الإعلام الذي لا يريد أن يرى ما يجري في السعودية من تغييرات باتجاهٍ إيجابي أن يُسقطها من حسابات الوهن الأميركي، فإنها بدَت بالنسبةِ لجو بايدن وفي هذا التوقيت في الذات أشبه بالحج بهدف غسل الذنوب!

صاحب نظرية أن السعودية دولة منبوذة، وجدَ نفسه مضطراً لكسر الحصار عنها والجلوس مع قادتها الذين توعدَهم بالمحاسبة، دعكم من التلاعب بالألفاظ تحديداً المسوغات التي ساقها لجهةِ أن الزيارة لحضور قمة مع الدول العربية لا أكثر، كل هذا تم بواقعيةٍ سياسية صرفة فرضتها الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها بايدن في الداخل الأميركي، حالهُ بذلك كحالِ الدول الأوروبية التي تئنُّ من ضغطِ ارتفاع أسعار الطاقة وقلةِ توريداتها مع فارقٍ بسيط أن الأوروبيين وبسبب الغباء في التعاطي مع الكثير من الملفاتِ الحساسة في السياسةِ الخارجية، جرَّدوا أنفسهم من كلِّ نقاط القوة التي يمكن صرفها في السياسة الدولية، بينما ما زالت الولايات المتحدة تملكُ أوراقَ قوةٍ يمكنها استثمارها حتى النفس الأخير، فكيف ذلك؟

«لا يمكن السماح للصين وروسيا بملء أي فراغ في الشرق الأوسط»، هذه العبارة يكررها يومياً الساسة الأميركيون من دون أن يشرحوا لنا عن أي فراغٍ يتحدثون؟ لأننا بنظرةٍ واقعية نبدو أمام فراغٍ وحيد وهو الأهم يرتبط بالولايات المتحدة ذات نفسها، هل هو نوع من التصالح مع الذات عندما يشعر الأميركي بأفول القوة التي كانت تحكم العالم والتي سينشأ عنها هذا الفراغ أم إنه الشعور الأميركي بأن تداخل الملفات الإقليمية والدولية سيعيد إنشاء الكثير من التحالفات غير التقليدية ويعطي فائضَ قوةٍ لدولٍ صاعدة ما سينتج عنه فراغات لا فراغ واحد لن تملأها دولة بعينها بل سيملؤها تقاطع المصالح؟

للإجابةِ عن هذه التساؤلات نبدو وكأننا بحاجةٍ للخروج من الحدود الجغرافية للشرق الأوسط لندرك ببساطة أن فكرةَ التحالفات انتهت إلى غيرِ رجعة، ولكي نصل لهذه القناعة علينا فعلياً أن ننظر بروح الواقع لا بأحلام اليقظة، الحكومات الأوروبية تتساقط تباعاً كأحجار الدومينو، حدود القوة الوهمية التي كان «ناتو» قد رسمها في مخيلة البشر تساقطت عندَ عتبةِ حرمان الحليف الأوكراني من راجماتِ صواريخٍ خشية استهداف الأراضي الروسية بها! أما إن اقتربنا أكثر نحو منطقتنا، فإنك مثلاً سترى الإيراني يقف على مسافةٍ متساوية بين التركي والسوري بمعزل عن مسوغات ما يحكى عن «مبادرة»، أي مبادرة تلك التي تساوي بين المجرم والضحية؟ ثم من هذا الذي يستطيع في هذا العالم ادعاءَ قدرتهِ الحصول على ضماناتٍ من رجب طيب أردوغان هل انتهت مفاعيل المبادرة لمجردِ تزامنها مع الحديث عن عودة سورية إلى الجامعة العربية أم انتهت بدخول الجيش العربي السوري مناطق «قسد» في ريف حلب لقطع الطريق على مجرم النظام التركي؟! بسياقٍ متصل من كان يظن قبل العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا أن دول الخليج ستتمرد على الإرادة الأميركية بالوقوف بوجهِ هذهِ الحرب؟ رفضت دول الخليج بالمطلق إدانة هذه الحرب أو النظر إليها بالمنظار الأميركي، من كان يتوقع مثلاً أن دولة كإيران ستعلن رفضها لهذه الحرب؟ نحن هنا لا نتدخل بمواقف الدول نحن هنا نوصِّف هذه المواقف للوصول إلى النتيجة الأهم: المنطقة والعالم يتغيران من حولنا، أن تتقاطع مصالحي السياسية والعسكرية معك في هذا الملف لا يعني بأنها ستتقاطع في ملفات ثانية، هذا هو الشكل الجديد لهذه التحالفات والأميركي مدرك لهذا التغيير، فهل كانت قمة بايدن مع دول العربية هي لرسم شكل هذا التحول؟

دائماً ما تكون النظرة السائدة لقممٍ ولقاءات كهذه بأنها قممُ الإملاءات، لكن هذهِ المقاربة تبدو بطريقةٍ ما وكأنها «دقة قديمة»، لماذا ينتظر بايدن قمة كهذه لكي يُملي ما يريد إذا كانَ فعلياً قادراً على تسيير كل هذه الدول كما يشاء؟ من دون أن ننسى بأن بايدن ذات نفسه اضطر أن يزور السعودية وما يعنيهِ هذا الأمر في العلاقات الدولية من اعتراف رسمي بشرعية النظام الحاكم، حتى البيان الختامي للمباحثات الثنائية بين بايدن وولي العهد محمد بن سلمان لم يتحدث عن قبول سعودي للمطالب الأميركية بزيادة إمدادات النفط وغيرها، بل تحدث عن ضمانِ استمرار إمدادات الطاقة وهو أمر مختلف، كما أنه لا يفيد عملياً حلفاء بايدن الأوروبيين لأن مشكلتهم ليست بإمدادات النفط بل بإمدادات الغاز.

أما على صعيد القمة التي جمعته بدول الخليج إضافة إلى كل من الأردن ومصر والعراق فإن هذه القمة لا ترتقي لفكرة ظهور ما يسمى «حلفاً جديداً»، تحديداً أن البعض روج للفكرة بأنه حلف جديد سيكون هدفه الوقوف بوجهِ إيران، هذه المغالطة قيلت منذ أسابيع عندما روج البعض لفكرة «ناتو أوسطي» سيكون أول إنجازاته إنشاء منطقة عازلة في الجنوب السوري بعمق 30 كيلو متراً، يومها قلنا إن هذا الكلام هو أُمنيات ساقها الملك الأردني عبد اللـه الثاني لا أكثر، فعلياً نفت وبشكلٍ متعاقب أكثر من دولة فاعلة على رأسها جمهورية مصر العربية النية بوجود تحالف كهذا، لأنها لا تسعى لتأجيج الحرب مع أحد بل إن دولة الإمارات العربية المتحدة ذهبت أبعدَ من ذلك عندما أعلنت عودة بعثتها الدبلوماسية إلى طهران.

بالسياق ذاته لا يمكن الحديث عن حلف برعاية أميركية، الرعاية الأميركية معناها حرفياً هي الرعاية العسكرية، ولا يبدو أن هذهِ الدول ستخوض حرباً ضد إيران ولا ضد أحد، لم تخرج كلمات الزعماء في القمة عن الحدود التي كان البعض يهول بها، لم يتم دعوة الكيان الصهيوني كما كان يتوقع البعض أو كما كان يتمنى بايدن نفسه، بل على العكس كان كلام ولي العهد السعودي واضحاً لجهةِ دعوة إيران للتعاون وبالسياق ذاته التشديد على «الحل السياسي» في سورية، أي إن القمة لم تكن أكثر من مجرد قمةٍ أمنية اقتصادية ليست موجهة ضد أحد، ولا تهدف لبناءِ تحالفات ضد أحد، في الشكل أرادها بايدن كإطار يحفظ فيه ماء وجهه بسبب «التكويعة» في المواقف ضد المملكة العربية السعودية لا أكثر، أما في المضمون فعلينا عدم التقليل من قيمة ما جرى على المستوى السياسي، فالولايات المتحدة تتوسل بكل المقاييس لإنقاذ أسواق النفط وحتى الآن لم تلقَ جواباً، أنه الجزء الشرق أوسطي من الحرب الاقتصادية التي أفرزتها المعارك في أوكرانيا والتي راح ضحيتها حتى الآن الهيبة الاقتصادية الأوروبية ولا يبدو أن السبحة ستتوقف، هي لحظة مفصلية لو استطاع العرب استغلالها بالطريقة الأمثل فإن الأمل بإعادة نهوض هذه المنطقة لم يعد حلماً، والأهم أن التحالفات التقليدية اليوم تبدو في سقوطٍ وتهاوٍ، لم يخطئ الأميركيون عندما تحدثوا عن الفراغ تحديداً أنهم من أشد الساسة بُعداً عن أحلام اليقظة، وبمعنى آخر فإن أحد أهم نقاط القوة في السياسة الأميركية قدرتها على امتصاص الهزيمة، ماذا لو استطاع العرب وحدهم ملء هذا الفراغ ونسيان الزمن الذي كان فيهِ العربي وحيداً يدفع الثمن أمام كل التدخلات الخارجية من دون استثناء؟

كل شيء ممكن اليوم فالاستثمار بما فعله الروس بات عابراً للقارات والأهم أنه وبالعودةِ إلى فكرةِ الحج والتوبة، فإن الرواية الدينية أنهت شعائر الحج بكبشِ فداء، فالمغفرة والخطيئة والعودة إلى جانب الصواب بحاجة إلى أُضحية، وبعدَ أن أنهى بايدن شعائرَ حجه، تُرى من سيكون سيِّئ الحظ وكبش الفداء؟ ربما لن يطول الوقت حتى يصلنا الجواب!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن