قضايا وآراء

عن «وثيقة القدس» وإلامَ تشير؟

| عبد المنعم علي عيسى

استبق الرئيس الأميركي جو بايدن زيارته التي قام بها للشرق الأوسط بالقول إنه عازم على «تعزيز انخراط إسرائيل في المنطقة»، والقول إياه ليس بجديد وإن كان قد اتخذ طابعاً بات أكثر حدة، و«مشروعية»، ما بعد موجتي التطبيع الثانية والثالثة التي أضافت خمس دول عربية إلى ثلاث سبقتها.

في الشكل مضى جو بايدن منذ وصوله للبيت الأبيض في الشهر الأول من العام 2021 إلى انتهاج سياسة تشي بأنها على النقيض من سياسة سلفه دونالد ترامب صاحب «صفقة القرن» التي تلاشت بحكم طغيان الحقائق والوقائع على شطح الخيال، ولذا رأيناه يؤكد، منذ ذلك الوصول، على حل الدولتين كأساس يراه واقعياً لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الدائر منذ سبعة عقود ونصف العقد، لكن المضمون بقي واحداً لا يحيد عنه كما أثبتت الوقائع التي تبلورت في زيارته للأراضي المحتلة التي دامت ليومين، التقى خلالها بالرئيس الفلسطيني محمود عباس لمدة لا تزيد على 40 دقيقة، كان نصفها للبروتوكول، والإشارة هنا واضحة وهي تقول إنه جاء لإخباره فقط بما تم الاتفاق عليه، وليس لمناقشته فيه.

ما بعد لقاء بايدن برئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد الأربعاء الماضي صدر عن اللقاء ما اصطلح على تسميته «إعلان القدس للشراكة الإستراتيجية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل»، على الرغم من أنها كانت أقرب لبيان مشترك من النوع الذي يصدر عادة عن مثل لقاءات كهذه، لكن التسمية هنا جاءت لتثقيل ذلك البيان وإعطائه صبغة هي أشبه بـ«جرعة زائدة» على طريق الدعم التقليدي الذي ما انفك أسلافه يقدمونه لذلك الكيان الذي تحيط به الأعاصير، والراجح أن هذه الأخيرة باتت اليوم أعتى من كل نظيراتها السابقات حتى في أوج صعود المد القومي العربي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

أهم البنود التي تضمنتها «الوثيقة» هي وجوب تهيئة الأرضية المناسبة لاندماج إسرائيل في محيطها العربي مع إظهار، غير محدود، لالتزام الولايات المتحدة بتفوق إسرائيل النوعي في المجالات العسكرية والسياسية والتكنولوجية والمالية، ثم تتضمن بنداً على غاية من الأهمية، وهو غير مسبوق ولسوف تكون له تداعيات كبرى، وهو يقول بـ«تجريم» كل أشكال المقاومة حتى السلمية منها عبر ربط هذه الأخيرة بجرم «معاداة السامية»، السيف الذي جرى تسليطه على رقاب العديد من حركات التحرر بما فيها تلك التي كانت تقود صراعاً ضد الاستيطان ومحاولات التغيير للديمغرافيا في المناطق المستهدفة، وفي هذا السياق يمكن لحظ إصرار أميركي على إدانة الهجمات ضد «المواطنين الإسرائيليين» من دون أن يرتبط بإدانة ما تمارسه سلطات الاحتلال من قتل يومي وهدم للمنازل واعتقال للناشطين، أما فيما يخص حل الدولتين، الذي كان بايدن يطرحه حتى في حملته الانتخابية التي خاضها على امتداد عام 2020، فإن الوثيقة تورد هذا الأمر على النحو التالي: «يعيد الرئيس بايدن تأكيد دعمه الطويل الأمد لحل الدولتين»، ومن الواجب هنا وضع عدة خطوط تحت عبارة «الطويل الأمد» التي تؤكد أن ذلك الحل ليس بقريب، ولن يكون في ولايته هذه التي تنتهي مطلع عام 2025، ومن شبه المؤكد، وفق الكثير من المعطيات، أنه، أي بايدن، سوف يصعب عليه التجديد لولاية ثانية تمتد به لأربع سنوات لاحقة لهذا التاريخ الأخير.

من يتابع الدعم الذي قدمه الرؤساء الأميركيون لدولة الاحتلال منذ عهد دوايت أيزنهاور حتى جو بايدن، لن يلحظ فارقاً، في الكم ولا في النوع، في طبيعة ما يقدم لتلك الدولة التي كانت الإستراتيجيات الأميركية كلها تقوم على ضمان أمنها عبر الحفاظ على تفوقها النوعي بدرجة تكون حاسمة في ذلك الضمان، لكن المتغير الجديد، الذي تبرزه «وثيقة القدس»، والذي يمكن رصده عبر التبصر في الخلفية والموجبات التي قادت لصياغتها بالشكل الذي جاءت عليه، يمكن تلمسه عبر «القلق» البادي بوضوح لدى طرفيها، فالولايات المتحدة تدرك، وتتدارس، التحولات العالمية الخطرة التي استولدتها الحرب الأوكرانية، وهي بالتأكيد لا تزال في مرحلة لا تستطيع رسم ملامح ما ستؤول إليه تلك التحولات، ولا طبيعة التوازنات التي ستفضي إليها، والتي سيحددها بدرجة كبيرة الموقف الصيني الذي يبدو حذراً لكنه يتخذ يوماً بعد يوم وضعية الاستعداد لتموضعات جديدة، لذا فإن «الخنجر الإسرائيلي»، الذي يعتبر الأكثر قابلية للتأثر بتلك التحولات وخصوصاً أن المناخات المحيطة به تبدو وكأنها تراكم الكثير، ما يجعل أداءه بأقل مما كان عليه في السابق، هذا «الخنجر» يستشعر الخطر الأمر الذي استدعى لديها، أي لدى الولايات المتحدة، تقديم «جرعة شحذ» زائدة لعله يبقى بوضعية القادر على توجيه «الطعنات» في شتى الاتجاهات، أما قلق تل أبيب فهو يتمحور حول المخاوف من فقدان الولايات المتحدة لسطوتها وهيمنتها العالمية، وفي لحظة كهذه تذهب القوى القلقة، على وقع تساؤلات المصير والمستقبل، نحو تجميع ما يمكن تجميعه للحفاظ على وضعية تصبح فيها قابلية الاستمرار ممكنة.

في مطلق الأحوال تعتبر «وثيقة القدس» بمنزلة «إعلان حرب» على الشعوب العربية وعلى كل صنوف المقاومة الرامية لحفظ كينونتها ودوام سيادتها واستقلالها على أرضها، لكن المحاولة هذه المرة ليست صادرة عن «موقع قوة» بل هي تكريس لمواطن ضعف تراكمت هنا وهناك، وهي تنبئ بالكثير من الرياح الهوج التي إن هبت فلسوف تعصف بنسيج سيظل التصاقه بالمنطقة «قشرياً» مهما تعددت محاولات إيجاد «لواصق» له وأيا تكن «ماركاتها» العالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن