ثقافة وفن

الإنسان الحديث

| د. نبيل طعمة

ازداد علماً فازداد غروراً، وظن بعد أن اكتشف عقله، وذهب للاستثمار فيه أنه قادر على كل شيء، وقليله أدرك أنه يحتاج الآخر، ليتحول من خلاله إلى صانع ماهر ومبتكر مبدع نظراً لتفكره فيما يحيط به من مادة، هذه التي دعته للتعامل معها، واكتشاف قوانينها مما أخضعها له، ليظن بنفسه أنه خالق، وفي الحقيقة ما هو إلا مقلد ومقتبس، لكن بعبقرية عقله، تحول إلى تفعيل مواهبه في كل اتجاه، حتى وصل البعض منه إلى درجة تقديس عقله ونفسه، ما أخذ به الانفلات على أهوائه وشهواته، فازداد فوق ما يمتلك ظلماً وطغياناً، وراح يبرر شهواته وظلمه، إلى أن غدا سجين أفكاره وعقله وأسواره، وبات يبحث عمن يحرره منها، ويرشده إلى السبل الآمنة.

هذا الإنسان الواصل بإنجازاته إلى قمم من الحداثة والرفاهية، نراه يعود إلى إنسانه القديم، الذي أنجز في حينه أعظم نظم المعرفة، إلا أنه وقع أولاً في فخ تأليه الطبيعة، التي أنبتت مواهبه، وغلت يديه، وقيدت تفكيره، لينغمس أكثر في متاهات حياته، هذا الذي أخذ محيطه من جنسه، لينوء تحت سلطان أهوائهم وأفكارهم، ويظهر من خلالهما مرهقاً مغلولاً، ينوء تحت عبء الطبيعة والبشر، فبحث عن فكرة جديدة يعتنقها بإرادة التحرر من تلك المعتقدات، ووصل إلى جديده الذي أطلقه كإنسان حديث، ارتقى كثيراً بوسائل العيش، إلا أنه تراجع في غاياته ليتردى ضميره إلى درجة محزنة، فبدلاً من التعاون، اختار التنافس، ما أفسد عقله وقلبه، فانحدرت أخلاقه، وتطورت غاياته التي أخذ من خلالها يبرر وسائل الوصول إليها، وارتكب من الآثام والمخازي ما عجزت عنه الأجناس الأخرى.

هل الإنسان الحديث منتج الحضارة المادية الغربية الحديثة؟ وما معنى تشويه إنسان حضارات عالم الشرق والجنوب واتهام إنسانها بأنه من أتباع العصور المتأخرة المعتنقة لتلك الثقافات واتهام مفاهيمها بالضيقة والمضطربة، والدعوة الدائمة للتحرر عبر ضخ مفاهيم حداثة الغرب وإخضاع كامل المجتمعات لها من خلال الإبهار البصري والسمعي والحركي، إضافة للمنتج الذي اختزل الكثير من الجهد والتعب، ووفر رفاهيات متعددة، والذي لا يرتضي، عليه أن يبقى دائماً في الفراغ.

ما الفرق بين إنسان وآخر مادام أن ما تحت الجلد واحد، مع اختلاف الزمر الدموية وتطابق بعضها رغم اختلاف الألوان؟ أم إن الإمكانات المادية التي توفر لهذا العالم وتقنيات الحداثة وتطبيقات من لا يجيدها تعتبره قديماً؟ لذلك تجدها تدعو للاستثمار في العقل، فإن لم نفعل يبقَ بدائياً متخلفاً أو لاهثاً مستهلكاً من دون إنتاج أو إبداع أو تطوير.

أليست البساطة على تضاد مع تعقيدات الحياة، وكلما ازداد المرء بساطة ازداد كمالاً، لأن معنى البساطة الدقيق هو الاندماج مع الحياة؟ هل القوانين الوضعية وحدها كافية لحماية الإنسان؟ أم إن تطبيقها يحتاج أيضاً للقوى اللا مادية التي تهيئ له الحد الأدنى من الراحة، ما يؤدي إلى تطوير لغته البصرية وذائقته السمعية والحسية ليغدو بعدها إنساناً حديثاً؟ هل تكفي الحمية والشجاعة والنخوة واللهفة لإحداث عملية تطوير؟ أم إنها تحتاج إلى العلم وامتلاك أدواته والمعرفة التي تقدم شخصيته؟

أليست الإنسانية تمثل الوحدة العالمية أمام الجبروت البشري بكل ما يملك من قوى؟ ولذلك يجري قتلها من أجل إفنائها، فالولادة والحب والكراهية والعداوة والسلام والموت والمرض والصحة والحواس السبع المادية واللامادية أهم ثوابت الإنسان التي تمثل المشتركات أينما وجد، ومهما كان لونه أو شكله أو صفاته، هذه التي أعطت العقل الإنساني محله اللائق، لكي يديرها بعد أن وصل إلى فهم محيطه، وأدرك أسباب وجوده، وفي الوقت ذاته سمح للإنسان أن ينمو بفضل عقله، ويرتقي سلباً أو إيجاباً بحسب ما ينجزه، وأمام عظمة الوجود الكلي بحقائقه الكبرى وقف حائراً، لتدعوه للتفكر بها، لما تحمله من جوهر عظيم ومبادئ وقيم، إن أدركها صعد إلى مراتب الاعتبارات الخاصة زمنياً ومكانياً.

أليس الإنسان هالة من نار ونور، لم يختلف عبر كامل مسيرته؟ قديم وحديث يعيشان ضمن بعضهما، وهذا بحدِّ ذاته أنشأ سؤالاً متداولاً بخجل، كيف ينظر إلى العالم وما فيه وبشكل خاص قواه البشرية؟ هل كان بمفرده ليكون؟ أم إنه مدعوٌّ بالمنطق والضرورة إلى تعاون محترم، الذي من دونه لا يمكن له أن يتقدم، وهو الذي جرب منذ القدم مهارات القتل والعدوان والقنص، ودوَّنها بافتخار ضمن أسطورة وجوده اللامتناهية الأبعاد.

ملاحظة: الحواس المادية خمس واللا مادية العاقلة والناطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن