ثقافة وفن

السؤال عن الغيب

| إسماعيل مروة

معرفتنا اليوم تتشكل من خلال الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي شئنا هذا أم أبينا، ويدّعي كثيرون منا المعرفة وهم لا يعرفون إلا ما يلقى عليهم، فتأتي مرحلة الانبهار بما يلقى، ثم التلقي، تم الترداد وكأنه مسلّم به! مع أن المعرفة شيء وآخر، فهي ليست كتاباً يقرأ، مع أهمية القراءة والكتاب، فالقراءة تحتاج منا إلى معالجة وتدبّر فليس كل ما يلقى إلينا في الكتب يقبل أن يكون أمراً مفروغاً منه، حتى وإن كان حول الكتب المقدسة التوراة والإنجيل والقرآن، أقول حول ولا أقول الكتب المقدسة، فالمشكلة الفكرية الكبرى تكمن في قراءتنا وتفسيراتنا وتأويلاتنا لما في هذه الكتب المقدسة من نصوص لا يرقى إليها شك، لكن قراءتنا وتفسيرنا ومصلحتنا قد تدفعنا إلى قراءة غير سليمة، وتحوّل الكتاب المقدس من كتاب للتعبد والحياة إلى كتاب يستوعب كل شيء، ويصلح للعلم وما شابه ذلك.. ولعل من الطريف المؤلم الممرض المشين ما يتم تداوله من آراء عرضت على شاشات ومنصات، فهذا رجل ملتحٍ ويحمل ألقاباً رنانة يأتي ليفسّر تخلف الأمة على أنه قدر، وبأن أمة الإسلام والعروبة هي أمة هداية ورسالة، والعالم الآخر هو عالم علم وشركات جاءت لخدمتنا! فنحن نقدم لهم الهداية والمال والنفط، وهم يقومون بخدمتنا وصناعة الصواريخ والطائرات والسيارات! ويرى هذا العبقري الفذ الكارثي أنه من غير اللائق، وليس من تكليف الله أن نشغل أنفسنا بالعلم وإنجازاته لأن ذلك يشغلنا عن الهداية للعالم أجمع! ويفسّر هذا الرجل ومثله كثير وجود الثروات والنفط في بلداننا على أنه منحة من الله لنقدمه لأولئك الذين يخدموننا ويتركوننا للرسالة والهداية! ونسي هذا الفظيع كل ما يتعلق بالعلم، وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ونسي طلب العلم، وإن عاد إلى الحوار فأنا على يقين من أنه سيجد مسوغاً بأن العلم المقصود هو علم الشريعة، وهو أشرف العلوم، أما علم الرياضيات والطب والفيزياء فليس مقصوداً بالنص القرآني! الكارثة الحقيقية من الأمة والشعوب جاءت من الداخل، ولو برع أحدهم في الرياضيات والعلوم، وحتى في الأدب، فهو مرتبط وماسوني وأشياء كثيرة، ويجب قتله والانتهاء منه! ألهذه الدرجة وصل الأمر بإعلامنا وإنساننا؟ ويأتيك من يرسل لك الفيديو أو الرابط، ويطلب منك أن ترسله إلى الناس حتى لا تأثم! فلا يكفي من رآه، بل عليك أن تعمل على توزيعه وتعميمه على الناس كل الناس، ليعرفوا السر والحكمة، فالغرب لا يتسلط علينا، ولا يظلمنا، ولا يتفوق علينا، إنما هو قدر الله في أن يكون خادماً لنا ونحن نقوم بهدايته وتبشيره والعمل على النجاة من النار..! يا سيدي الفاضل فليعمل الغرب والعالم المتقدم على الهداية، ولنعمل نحن لزبد الدنيا، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ولنعمل على تل قين أبنائنا وبناتنا هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ولنعمل على أن الحياة الدنيا هي طريق للآخرة، ولنعمل على أن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف!

العيب ليس مقتصراً هنا على الاستخفاف بعقول الناس الذين يسمعون ويتابعون، بل وينساقون لما يسمعون، لكن العيب يصل حدّ الجريمة لأنه يدعو إلى الاستكانة والضعف، وإلى التخاذل وعدم السعي إلى المعرفة.. بل وتقديم صورة تدعو إلى السخرية منا ومن عقولنا ومجتمعاتنا للعالم الآخر، ويخطئ من يظن أن مراكز المتابعة والرصد لا تأتي إلى هذا الإعلام وتترجمه وتبني عليه..

ارحموا الإنسان العربي والمسلم، ولا تجعلوا ضعفه ميزة، بل يدعو إلى العنصرية وادعاء التميز والهداية! وأزعم أن كثيرين يقتنعون بما ينهمر عليهم، وبالأمس في خطبة الجمعة سمعت الخطيب يدعو إلى التعليم الشرعي وبأنه أشرف العلوم، وضمناً يقصد العلوم الدنيوية، مع أن هذه العلوم التي أحترمها أعطتنا عدداً من العمائم يكفي ليوزع على العالم كله لهدايته، ولكنها لا تعمل إلا على هداية ضلالتنا، وتكبر العمائم ونبقى في أماكننا.

بالأمس أرسل لي شخص أحبه تسجيلاً يجيب عن أسئلة يتصدرها من هو المخلوق الوحيد من خشب، وانتظرت طويلاً حتى جاء الجواب بأنه الأفعى التي كانت عصا من خشب بيد موسى!.. اكتشاف فظيع، لكن الذين صنعوه لم يميزوا بين الخلق والتحول، الإيمان والسحر! ولم يقرؤوا أن الأفعى أغوت آدم قبل أن يخلق موسى بآلاف الأنبياء، وبأنها مسخت ودعي عليها أن تزحف وتصارع ابن آدم!

سيصل هذا الفيديو المزين بالمعلومة والسؤال والجواب، ويكون مصدر معرفة لكثيرين من الذين يتمسكون بالمعرفة، ويصرخون عند أول معلومة: الله الله..

التحليلات غلط وجهل

والمعلومات غلط وجهل

والغلط والجهل يتراكم بينما العالم الذي ينتظر هدايتنا يسعى لتطوير أكثر دقة لعلمه وسلاحه، ولكن لا تهتموا، فإنه يفعل ذلك لخدمتنا، لأننا سنعطيه الهداية، ولكن بعد أن نمضي أعمارنا ونحن نخدم مجده بوهمنا.

الحق حق وأولى أن يتبع، والعلم علم وأولى أن يكون نهجاً ومنهجاً سواء كانت أمتنا للهدى أم للخدمة، وحبذا لو كانت هادية وعالمة، وسواء كانت الأفعى من خشب أم من هوام الجنة التي سلطت على آدم وحواء.. المنطلق في أن نبتعد عن تلك الأسئلة لنجوب آفاق المعرفة ونطرح الأسئلة لتأتينا الإجابات في حياتنا وليس إلى أسماعنا!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن