اقتصاد

لماذا لا نتقن «عـمل الفريق»؟

| د. سعـد بساطـة

لطالما تتغـنى الأدبيات الاقتصادية والهندسية بمزايا عـمل الفريق؛ وتطنب بفوائده؛ ولكن، هل تريدون الحق أم ابن عـمه! شخصيتنا الشرق أوسطية «فردانية» للغـاية؛ وهي لا تحبـّذ عـدا أن تشجـّع العـمل كمجموعـة!

ترى الواحد منا مثل حبة الرمل لامعـة؛ لكنها لا تشكل سوى قبضة هشة وتخفق بأن تتماسك مع زميلاتها لتكوين مجسم ما؛ في حين الياباني -كمثال- تراه مثل حبة التراب.. صغـيرة وباهتة؛ لكنها كمجموعـة متماسكة وصلبة ((ومن هنا أتت نجاحاتهم))!

ونلاحظ أن السبيكة المكوّنة من العـديد من المعـادن تتميـّز بمواصفات فريدة تختلف عـن كل معـدن بمفرده!

وللأمانة ليس درب تشكيل فريق العـمل مفروشاً بالرياحيـن! فهنالك مشكلات كثيرة؛ منها عـلى سبيل المثال لا الحصر:

– احتكار شخص – بالعـادة رئيس الفريق- كل الجهود المبذولة.

– تحوّل المجموعـة إلى نسخة طبق الأصل من عضو الفريق المهيمن (فتنتفي الفوائد).

– بعـد اكتمال تكوين فريق العـمل؛ يتحوّل أفراده لجدار بازلتي يقاوم ولوج أي قادم جديد!

– وجود انقسامات في الرأي بين المجموعـة لاسيما في موضوعـات جوهرية (ولو لشخص واحد)؛ كما في المثال الطريف التالي:

كان «فوزي» يعـمل في شركة كبيرة؛ فيها جميع الموظفين وقعـوا عـلى خطة الضمان الصحي؛ وهي خطة من شأنها أن تلزم جميع الموظفين بدفع نسبة بسيطة من مرتبهم السنوي لتقوم الشركة بتسديد نفقات عـلاجهم الطبي وعـائلاتهم؛ وكان هنالك شرط ملزم.. لا يعـتبر الضمان ساري المفعـول ما لم يشترك فيه جميع الموظفين؛ وحاول زملاء فوزي مراراً وتكراراً إقناعـه بالتوقيع؛ ولكن عـبثاً.

استدعـى المدير فوزي؛ وقال له بشكل مباشر: أمامك حلان؛ إما أن توقع عـلى خطة الضمان الصحي؛ أو أن تبحث عـن شركة أخرى للعـمل فيها. التقط فوزي القلم وقام بالتوقيع في ثوان ؛ هنا سأله المدير: « لماذا لم توافق قبلاً؟» ؛ أجاب فوزي بهدوء: «لم يشرح لي أحد الأمر بمثل هذا الوضوح!».

العـمل عـلى شكل فريق ذو فوائد عـديدة لعـل أحدها وجود كم من الأفكار البناءة الجديدة ضمن فريق العـمل؛ ولكن أذكـّر بأحد أهم شروط بناء الفريق؛ وهو أن يثمـّن كل أعضاء الفريق الفروقات ما بينهم عـالياً!

ولشرح هذا أذكر مثالاً سلبياً حصل معـي ضمن فريق عـمل في منظمة دولية منذ ربع قرن: كانت المجموعـة مكوّنة من مهندسين استشاريين ولفيف من شهادات أخرى؛ ودأب أحد المهندسين – المعـتد بنفسه ومهاراته – عـلى السخرية من زميل خريج كلية الآداب باستخدام تعـابير توحي بأن الأخير لا يفهم إلا في الشعـر الفيكتوري. مما أثر سلباً في جو العـمل؛ عـلماً أن صاحبنا أثبت كفاءاته؛ وتدرّج في السلم لأعـلاه في دولة خليجية لديها معـايير الجودة والتنافسية عـالية للغـاية.

وعلى سبيل تغيير الجو المفعـم بالجديـّة؛ أود تذكيركم بالحادثة التي حصلت في أحد المشاريع – كما سردها صديق أردني (وعـلى ذمته)-:

تم تكليف ثلاثة عمال بمد الأنابيب: كانت مهمة العامل الأول الحفر، والثاني تثبيت الأنبوب ولحمه بالأنبوب السابق، والعامل الثالث تكفـّل بعملية طمر الأنبوب وإعادة التراب إلى مكانه.

وكان أن حصل العامل الثاني على إجازة من العمل لمدة شهر، فاستمر الأول في الحفر واستمر الثالث في الطمر. وهنا أسألكم بجدية مطلقة… هل تغيّر شيء؟

نهايـة أضيف أن ناتج عـمل الفريق وخلافاً لكل التوقعـات ليس المجموع الحسابي لأنشطة أعضائه؛ بل أكثر من ذلك بكثير.

وأختم بهذه المعلومة:

السبيكة تتكون من عدة معادن، لكل واحد مزايا، فنحصل بالنهاية على ميزات الجميع،

أي: « بوساطة براعـات بعـض اللاعـبين؛ يمكن كسب المباراة؛ أما عـند اللعـب كفريق؛ فبإمكاننا ربح البطولة بأسرها».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن