قضايا وآراء

جرة أذن أم جرّ باتجاه الفتنة؟

| أحمد ضيف الله

ما من شك أن الرسائل التي وجهت من خلال الصلاة الموحدة التي دعا مقتدى الصدر لإقامتها في مدينة الصدر ببغداد في الـ15 من تموز 2022، حيث وضع 11 شرطاً أمام خصومه في قوى الإطار التنسيقي إذا ما أرادوا تشكيل الحكومة. والتسجيلات الصوتية المسربة المنسوبة لرئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، المتضمنة بشكل أساس «إساءات» لمقتدى الصدر، نفى المالكي صحتها. كانت السبب الرئيس في استبعاد اختيار مرشح رئاسة الوزراء من قادة الصف الأول لقوى الإطار التنسيقي، ومن بينهم نوري المالكي، خاصة بعد اعتذار هادي العامري رئيس تحالف الفتح عن التكليف، ما اضطر الإطار التنسيقي إلى اختيار شخصيات من الصف الثاني لإطاره.

المبدأ الذي اعتمده الإطار التنسيقي في التفاهم مع باقي القوى السياسية العراقية، هو «التوافق»، لكون العراق لم يعد يحتمل الانسداد السياسي لفترة أطول مما مضى، لأن منعكسات انعدام مختلف الخدمات في العراق، باتت ضاغطة، تهدد أمن العراق الداخلي، واستمرار العملية السياسية برمتها.

إعلان الإطار التنسيقي في الـ25 من تموز 2022، ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء «بالإجماع» بحسب بيانه، كان اختياراً موفقاً وناجحاً، كبداية لتجاوز المرحلة الأولى من عملية تشكيل الحكومة الجديدة، لكون السوداني يُعد من الشخصيات غير المستفزة داخلياً ولا خارجياً، عدا أنه شخصية معتدلة، هادئة وغير صدامية، ما يؤكد أن النهج الذي سيتبع في المرحلة المقبلة، هو التوافق لتمرير كل القرارات المهمة.

مقتدى الصدر، وبعض مكونات تحالفه السابق «إنقاذ وطن»، فوجئوا بسرعة الاتفاق على المرشح لرئاسة الوزراء، و«بالإجماع»، حيث كانوا، ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي المطبعة مع العدو الصهيوني، يستبعدون حصول ذلك، بالمطلق.

الامتعاض والغيظ الصدري جاء فور الترشيح، بداية عبر تهكم صالح محمد العراقي المعروف بـ«وزير القائد»، بنشر صورة في «فيسبوك» لشخص سوداني يصافح ظله المنعكس على الحائط، كتب عليها «سوداني يصافح ظله». ما أثار غضب قبيلة السودان في العراق، التي أسفت في بيان لها، أن «ينجر الوضع السياسي وتنعكس مخرجاته على مستوى السخرية والاستهزاء باسم عشيرتنا «السوداني» بشكل منافي للدين الإسلامي والأخلاق الإنسانية والشرائع العالمية في منع التنمر والاستهزاء والسخرية، وتصدر من شخصية تدعي قربها ووصلها بعائلة كريمة دينية حوزوية وهي آل الصدر».

وفي عصر الـ27 من تموز 2022، اقتحم متظاهرون المنطقة الخضراء، الشديدة التحصين التي تضمّ مؤسسات حكومية وسفارات أجنبية، مسقطين الجدران الخرسانية المحيطة بالمنطقة، متجاوزين نقاط التفتيش والحواجز الأمنية، ليدخلوا مقرّ مجلس النواب، من دون عراقيل أو مقاومة تُذكر من قبل القوى الأمنية!

المتظاهرون الذين كانوا يحملون صور مقتدى الصدر، وشعارات «مرفوض بأمر الشعب» للمرشح السوداني، لم يغادروا المجلس إلا بعد تغريدة للصدر: «وصلت رسالتكم أيها الأحبة فقد أرعبتم الفاسدين، جرة إذن، صلوا ركعتين وعودوا لمنازلكم سالمين».

تصريحات «وزير حرب القائد» صالح محمد العراقي الذي وصف اقتحام الخضراء أنه قد تم «بجماهير منضبطة وبتظاهرات سلمية عفوية منقطعة النظير وسرعة اقتحام ومباغتة وشجاعة وقوة قلب وطاعة للقائد وتفهّم عالي المستوى لذوقه وأمانيه»! شكل «رسالة استلمتها الأحزاب وفهمها القضاء واستوعبها العالم أجمع»، معتبراً أنها «اليوم جرّة أذن، وغداً ثورة إصلاح». أرعبت الناس وأخافتهم، من عودة التظاهر والتوتر والقتل إلى الشوارع مجدداً، وتعطيل المصالح الحكومية والمدارس من قبل «لجان مكافحة الدوام» بشعارات «مغلق بأمر الشعب» التي ظهرت في احتجاجات تشرين الأول 2019.

الصدريون سبق أن اقتحموا مبنى المجلس النيابي في الـ20 نيسان 2016، في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي قبل أن يطلب منهم مقتدى الصدر الانسحاب، وعاثوا بمحتويات المبنى فساداً، لكن هذه المرة، والشهادة لله، لم يعبثوا بمحتويات المجلس!

مقتدى الصدر، الذي يرفض أيّ حلول أو صيَغ للحُكم لا يكون هو المتحكّم الوحيد بمجرياتها، لا يمكن القبول به، فأي شارع جماهيري سيكون مقابله شارع آخر، ما لم يكن الاحتكام إلى القانون والدستور، وحفظ هيبة الدولة ومؤسساتها، وحفظ أمن المواطنين، هو السائد.

مشكلة الصدر أنها ليست مع شخص مرشح الإطار التنسيقي محمد شياع السوداني بقدر ما هي مشكلة شخصية مع نوري المالكي رئيس ائتلاف دولة القانون.

الإطار التنسيقي لا يبدو أنه في نيّة التراجع عن مرشحه، كما أن المرشح محمد شياع السوداني ليس بوارد الانسحاب من السباق الحكومي حتى الآن، واستمرار التهديد بالتظاهر الخارج على القانون، والمتجاوزة على هيبة الدولة ومؤسساتها، وزج الشباب العراقي في الصراعات والفوضى على وقع خطابات البغضاء والتنمر ومثيري الفتن، سيدفع، إن استمر، إلى مواجهات دامية، يكون الأبرياء أبرز ضحاياها، ممن لا ناقة لهم ولا جمل بما يجري. وقد تذهب «جرة الأذن» باتجاه جر العراق نحو الفتنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن