ثقافة وفن

الدراما السورية.. صناعة فكر ومسؤولية مجتمعية … د. بطرس حلاق: دور الدراما في التصدي لحرب الوعي وإرهاب الفكر … علي عنيز: الارتقاء بهذه الصناعة الثقيلة للوصول إلى فضاءات أوسع

| مايا سلامي - تصوير: طارق السعدوني

برعاية رئيس مجلس الوزراء المهندس حسين عرنوس، افتتحت وزارة الإعلام ولجنة صناعة السينما والتلفزيون يوم أمس ورشة عمل بعنوان «الدراما السورية.. صناعة فكر ومسؤولية مجتمعية».

وافتتحت الورشة بعرض فيلم قصير بمناسبة عيد الجيش العربي السوري، وآخر يلخص تاريخ الدراما السورية وحكايتها.

وعقدت الورشة أولى جلساتها بعنوان: «صناعة الدراما بين التعثر والنهوض»، بإدارة رئيس لجنة صناعة السينما والتلفزيون علي عنيز وناقش فيها ورقتي عمل الأولى قدمها أمين سر لجنة صناعة السينما والتلفزيون أحمد رضا الحلبي بعنوان (صُناع الدراما) والثانية قدمها نقيب الفنانين السوريين محسن غازي بعنوان (العلاقات التفاعلية والإشكالية بين الجهات المسؤولة عن صناعة الدراما في سورية).

أما الجلسة الثانية فكانت بعنوان: (العقبات التي تواجه الدراما الوطنية) بإدارة عضو لجنة صناعة السينما والتلفزيون الكاتبة ديانا جبور وقدمت فيها ورقة عمل الأولى بعنوان (النص الدرامي صناعة ثقيلة ومؤثرة في العقل الجمعي) للسيناريست خلدون قتلان والثانية قدمها رئيس جمعية فنيي الدراما محمد المصري بعنوان: (العقبات التي تواجه الفنيين والعاملين في مجال الدراما).

أخطر الحروب

في كلمته، وجه وزير الإعلام الدكتور بطرس حلاق تحية اعتزاز لأبطال الجيش العربي السوري وقائده السيد الرئيس بشار الأسد بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش العربي السوري، مبيناً أن ورشة اليوم هي نتاج لتعاون وزارة الإعلام ولجنة صناعة السينما والتلفزيون متوجهاً بالشكر لجميع القائمين عليها لما بذلوه من جهد في إعداد أوراقهم البحثية التي سيكون لها الأثر الأكبر في الوصول إلى أفضل النتائج والتوصيات.

وتحدث وزير الإعلام عن دور الدراما في التصدي لحرب الوعي وإرهاب الفكر والتي تعد من أخطر الحروب التي تعرضت لها سورية وتستهدف بنيتها السياسية والثقافية والمجتمعية، لافتاً إلى التأثير الكبير الذي تلعبه الدراما في الفرد والمجتمع، حيث يعتبرها الناس حقيقة والأجيال الصغيرة تنظر إليها على أنها الواقع ما يحملنا مسؤولية كبيرة لأن نكون حراساً ومدافعين ضد تزييف الفكر والثقافة.

وأشار الوزير إلى الخطر المحدق الذي يحيط بالدراما والمجتمع المتمثل في خطاب الكراهية وتعميم السلبيات وتزييف الحقائق والتي تبنتها بعض النماذج من الدراما، مبيناً أن الحديث عن صناعة الدراما يجب أن ينطلق من أفكار واقعية تستند إلى قدرتها على التأثير من خلال الصورة والصوت والأعمال القادرة على زرع الأفكار الهادفة وترسيخ القيم التي تحملها مجتمعاتنا من تراث غني بالعادات والتقاليد والعبر.

وتمنى وزير الإعلام النجاح للورشة معتبراً أنها خطوة أولى يجب أن تعقبها اجتماعات وورشات عمل للوصول إلى آلية للعمل الدرامي ليصبح صناعة ووضع إستراتيجية نحدد من خلالها ماذا نريد من الدراما.

الرقابة التلفزيونية

بدوره بيّن علي عنيز في تصريح لـ«الوطن» أن الموسم الدرامي الماضي كان على قدر من الأهمية، ولا نستطيع إنكار ذلك وهذه الجلسة كانت لإعادة ترتيب البيت الداخلي لصناع الفن والإبداع في سورية بعدما أنهك هذا القطاع كما أنهكت الكثير من القطاعات الأخرى، لذلك لا بد اليوم من إعادة النظر لترتيب الأوراق الداخلية لنثبت وجودنا ونتوقف عن أخذ الإملاءات من أي شخص من الخارج يتحكم بقطاع الدراما ويختار أعمالاً تناسب رؤيته وفكره.

وأكد على أن الأطروحات التي قدمت في الجلسة الأولى من الورشة كانت على قدر من الأهمية وتخلص إلى توصيات أهمها موضوع الرقابة التلفزيونية والهاجس بالنسبة للمنتجين بموضوع الرقابة سيؤخذ بعين الاعتبار وسيحل هذا الملف برعاية وزير الإعلام.

وشدد على أهمية الارتقاء بهذه الصناعة الثقيلة للوصول إلى فضاءات أوسع مستعرضاً جملة من الأسئلة الجوهرية في مجال صناعة الدراما وتطلعات الجمهور لها.

منافسة غير شريفة

وأوضح أمين سر لجنة صناعة السينما والتلفزيون أحمد رضا الحلبي أنه مع بداية الأحداث المؤسفة على سورية تمت محاربة الدراما السورية في المحطات العربية من خلال مقاطعتها باعتبارها تنقل رسالة إعلامية مهمة، فكانت مهمة هذه المحطات عدم وصول الرسالة إلى الشعب العربي لأسباب سياسية بحتة، وكذلك فإن أحد أسباب هذه المقاطعة هي الحرب الاقتصادية المعلنة على سورية التي دعت هذه المحطات إلى الإحجام عن شراء المنتج السوري الدرامي وهذا أدى إلى أن ترفض شركات الإنتاج السوري الأسواق الخارجية وبقي تعاملها محصور بعدد صغير من الفضائيات العربية الصغيرة التي ليس لديها الإمكانات المالية للشراء إلا بأرخص الأسعار».

وكشف أنه مع ذلك استمر عدد من الشركات السورية بعملها بوتيرة أخفض من ذلك ولكن هناك عدد من الشركات لم تمكنها ظروفها المالية من الاستمرار بتحمل الخسائر فتوقفت عن الإنتاج ومع ذلك عاد الإنتاج الدرامي في هذا العام إلى تصدر المنافسة وقد كتبت الصحافة العربية مطولاً عن عودة نهوض الدراما السورية، في حين كانت تكلفة الأعمال المنتجة 64 مليار ليرة سورية وأعادت الوجه الحضاري لسورية وفرضت نفسها في السوق العربية.

وأشار إلى جملة من الصعوبات التي تعاني منها صناعة الدراما في سورية ومنها الرقابة التي أصبحت مع تطور الوقت بشكل أو بآخر وصية على الدراما السورية، ارتفاع تكاليف الإنتاج الدرامي في سورية، محدودية الأقنية التلفزيونية الوطنية ومحدودية أماكن البث، هجرة الكادر الفني الخبير إلى خارج القطر، عدم تقيد الجهات العامة بالقوانين والقرارات الداعمة للدراما السورية، عدم وجود كيان قانوني مستقل للجنة صناعة السينما والتلفزيون، مشكلة التعامل بالقطع الأجنبي، المنافسة غير الشريفة بين شركات الإنتاج في السوق العربية.

وأكد على أن غياب أقنية التسويق الرسمية وعدم توفر أقنية خاصة سورية دفع شركات الإنتاج إلى تسويق أعمالها بجهودها الخاصة، ما خلق حالة منافسة بين الشركات بالمحطات العربية تجلت بكسر أسعار الأعمال وهذا يعتبر تبخيساً بالمنتج السوري.

غياب الإستراتيجية

أما نقيب الفنانين محسن غازي فأشار إلى أن وضع الدراما في سورية يستدعي عقد هذه الورشة وورشات عديدة بكل صراحة وجرأة من دون تجميل الواقع، مؤكداً أن الدراما السورية أخذت موقعها على صعيد الدراما العربية وبشكل جيد جداً، لكن سنوات الحرب على سورية أدت إلى الاعتراف بأننا تراجعنا قليلاً لأسباب ليست ذاتية وإنما موضوعية.

وأوضح أنه على صعيد التسويق هناك الكثير من القنوات التي أغلقت الباب أمام الأعمال السورية وهذا أدى إلى ندرة فرص العمل في سورية وبالتالي الكثير من الفنانين السوريين لجؤوا إلى الإقامة في بعض البلدان العربية المجاورة إضافة إلى تناقص عدد شركات الإنتاج، كما أنه لدينا أزمة في النص والمواضيع المقدمة.

وأكد غياب الإستراتيجية الحقيقية لما يجب أن ينتج كل عام استناداً إلى خطة تنسجم مع واقعنا الثقافي والمجتمعي وتحترم عقل المجتمع السوري وهي مسؤولية تقتضي مسألة احترام المجتمع وتقديم الفائدة والنص الجميل وألا نغلّب الجانب الربحي على الجانب الإنساني.

أزمة كتّاب

أما المخرج والمنتج وليد درويش فقال: « سبب التفاؤل بجلسة اليوم هو الشفافية التي شهدناها في الداخل، فوزير الإعلام بنفسه اليوم انتقد بعض الخطوات والأداء والمؤسسات وهذه الخطوة تحسب للجنة صناعة السينما والتلفزيون، وسابقاً لم نرَ مثل هذه المناقشات والورشات، وأعتقد أنه بالمرحلة القادمة سيكون هناك نظرة خاصة من قبل الحكومة فيما يخص موضوع الدراما».

وأضاف: «هذه الورشة لا تعني فقط المنتجين بل تعني أيضاً الفنانين والفنيين والمخرجين والكتّاب، فهي جمعتهم تحت عنوان تطوير الدراما الذي يكون بالصدق والشفافية وليس بالمجاملة وتبني أفكار لجنة الرقابة».

وكشف أنه لدينا أزمة كتّاب وأن المشكلة الثانية هي الرقابة التي تعد سبباً رئيساً في انحطاط الدراما وهناك شيء آخر ومهم أيضاً هو الدراما العربية المشتركة وطريقة سحب الممثل إلى الخارج وحرمان شركات الإنتاج السورية من الإفادة من خبراته.

الكتّاب والفنيون

وفي الجلسة الثانية قدم خلدون قتلان ورقة عمل تحدث فيها عن علاقة الكاتب مع المخرج وشركات الإنتاج ومع النجوم مشيراً إلى حالة الغبن التي تحيط بالكتاب مادياً ومعنوياً إضافة إلى كونهم ضحية التهميش التي تدار بين شركات الإنتاج ومنتقداً غياب النقد الفني الأكاديمي والموضوعي.

عصب العمل الدرامي بما يقوم به الفنيون وما يتعرضون له كان محور ورقة العمل التي حملت عنوان “العقبات التي تواجه الفنيين العاملين في مجال الدراما” وقدمها رئيس جمعية فنيي الدراما محمد المصري الذي استعرض منجزات الجمعية وعرض ظروف عملهم وأهم مطالبهم ولا سيما ضرورة وجود جسم قانوني يضم العاملين في المجال الفني.

حضور

حضر افتتاح الورشة أيضاً وزيرة الثقافة الدكتورة لبانة مشوح ورئيس الهيئة السورية لشؤون الأسرة والســـكان ســمر ســـباعي ومعاونــو وزراء ومديــرون عامون لمؤسســات إعلاميــة وأعضــاء مجلس الشـــعب.

السوق السوري

وشدد النجم عباس النوري أن المحتوى السوري محتوى مختلف في خطابه لأننا أصحاب ثقافة مختلفة في سورية عن كل المجتمعات العربية الأخرى، ففي مصر هناك ثقافة تكاد تكون واحدة لكن هناك آلة كبيرة على مستوى الإعلام والثقافة بكل اختلافاتها، وهذه تعطي مساحة للفنان المصري وتجعله يسير براحة أكبر في عمله في أكثر من محطة والسوق متوفر عنده وبالتالي هو ليس بحاجة للأسواق الأخرى إلا من باب الانتشار».

وأضاف: «نحن في سورية ننتج بلا سوق وبضائعنا تحتاج إلى أسواق فكيف يمكن تقييم بضاعتنا من دون وجود هذا السوق لذلك يجب أن يحدث السوق السوري وأن يكون هناك مساحة من الحريات حتى تنشأ قنوات تلفزيونية قادرة على استقطاب الكثير من الثقافات والآراء والفنانين الذين يقدمون مشاريع أعتقد أنها قد تصل إلى مستويات عليا جداً».

وأكد أن الأمل بالارتقاء بالدراما السورية موجود ولكن نحن بلا سوق ويجب أن نبحث عنه عبر تشريعات بضرورة حضور نظام اقتصادي يسمح بالاستثمار، فهو الكلمة الفصل والصندوق الأسود لكل الإنتاجات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن