ثقافة وفن

بيت القصيد والمآرب السياسية! … اختيار ما يخدم الانتماء

| إسماعيل مروة

حين نستشهد بالأدب نزعم أننا نكرمه ونبجله ونعطيه حقه!

ونختار ونظن خيارنا خدم الشاعر، ولا نعلم أننا نضعه في خندق دون آخر، وكأنه يخوض معركة من المعارك لمصلحة جهة من الجهات!.

الأدباء الكبار أوسع من الخنادق، فهم ينحازون للأرض والإنسان، ولا ينحازون لجهة دون أخرى، ومن هنا قد يحدث تصنيف يأباه الشعر ويرفضه الشاعر.

الزركلي وعبادة الوطن

منذ سنوات كنت أدرّس لطلابي الشاعر خير الدين الزركلي، وقصيدته نجوى وهي درة شعره، بل درة الشعر الوطني المعاصر، ولا مبالغة أن نقول بأنه لم يصل إليها شاعر بهذا العمق والمفهوم الوطني الذي يمكن أن يكون للشام وسورية ويمكن أن يكون لأي بقعة في الكون بمفهوم الوطن.

العين بعد فراقها الوطنا

لا ساكناً ألفت ولا سكنا

ريانة بالدمع أقلقها

ألا تحس كرى ولا وسنا

والقلب لولا أنّة صعدت

أنكرته وشككت فيه أنا

يا موطناً عبث الزمان به

من ذا الذي أغرى بك الزمنا

عطفوا عليك فأوسعوك أذى

وهم يسمون الأذى مننا

ليت الذين أحبهم علموا

وهم هنالك ما لقيت هنا

ما كنت أحسبني مفارقهم

حتى تفارق روحي البدنا

إن الغريب معذب أبداً

إن حلّ لم ينعم وإن ظعنا

وحين وصلت إلى بيت القصيد في القصيدة والشعر الوطني عامة، وإلي البيت الذي لا يصل إليه إلا ملهم:

لو مثّلوا لي موطني وثناً

لهممت أعبد ذلك الوثنا

فسمعت همهمات توقعتها وأصخت السمع لأسمع من يردد أستغفر الله العظيم من هذا الكفر!

واستجمعت معرفتي اللغوية والنحوية في إعراب (لو) وبأنها حرف امتناع لامتناع، فامتناع التمثيل يقضي امتناع العبادة.. ولكن عبث، لمجرد ورود كلمة الصنم وكلمة العبادة.. فلجأت إلى معرفتي التاريخية لأبين لهم بأن الشاعر من أصحاب التوجه الإسلامي، وهو حاج وزيادة، وكل ذلك لم يفلح، ما اضطرني في كل مرة أدرس القصيدة أن أقف قبل ذكر البيت لأبين لهم القاعدة والمعنى قبل أن يقرؤوا الشعر!

وتذكرت عندما كنت في إحدى الجامعات العربية واقترحت هذه القصيدة للمنهج كيف ثارت الدنيا لهذا البيت، وكانت كلمة المشرف لا نريد أدباً عظيماً يحشرنا في الزاوية!

مسكين الشعر والأدب الذي يخضع للمقاييس الخاصة لكل قارئ من القراء، وهذه المقاييس تجعل الشعر قابلاً للاصطفاء، لدرجة يصبح فيها الثوب الشعري والأدبي مهلهلاً..

والمتنبي يمثل أمامنا

ليس هناك من شك في أن المتنبي هو الشخصية الإشكالية في شعرنا العربي عبر العصور، وقد يكون الشخصية الأكثر إشكالية، وحين يتم تداول شعره يتم وفق الأسس نفسها، فهذا إن كان لا يحب الشريف الرضي وما يمثله يشيد بقصيدة المتنبي:

لك يا منازل في القلوب منازل

أقفرت أنت وهنّ منك أواهل

وإذا كان المتحدث يدّعي رفض الطبقات الاجتماعية، فإنه يقطع القصيدة من سياقها التاريخي والحدث ليشتم المتنبي وقصيدته:

لا تشتر العبد إلا والعصا معه

إن العبيد لأنجاس مناكيد

وتستمر لعبة الخيارات، ليصبح النص الشعري والأدبي أشبه ما يكون بالمصفاة التي تمتلئ بالثقوب، مع أن النص الأدبي يملك قداسة وقدسية لصاحبه الذي أنشأه، ولا يخضع للقراءات والتأويلات والتفسيرات التي وصل إليها الباحثون، فالقرمطية عند المتنبي، إن كانت، هي مرحلة، ومصر هي مرحلة، وحتى حلب وسيف الدولة كانت مرحلة، لكنها كانت فترة الشباب والحميّة والاعتداد لذلك كان شعره فيها من المرتبة الأولى، وكان مدحه مقبولاً، ولم ينظر إليه على أنه شعر كدية واستجداء لأنه امتزج بفورة الرجولة والقوة.

وربما وجدنا الانقسام حول المتنبي في الشخص نفسه بين مرحلة وأخرى وبيت وآخر، وذلك حسب مقتضى الحال، فهو يحب المتنبي، ولكنه إذا وجد بيتاً له لا يوافق هواه يبدأ انتقاصه، والآخر لا يكره مثل المتنبي، ولكن إذا وجد له شعراً ينصفه وينتقص خصمه فإنه يتحول إلى شاعر لا يشق له غبار، ويبدأ صاحبنا بالتلمظ وهو يقرأ بيته أو أبياته.

ولنزار قباني هويات عدة

في نزار قباني، وخاصة في قصائده السياسية تتجلى فكرة بيت القصيد عند كل الأطياف السياسية والإيديولوجية والمجتمعية، خاصة في الشعر المكون من شطرين، فهذا الملتزم الذي ينتقد نزاراً وشعره يستشهد ببيت القصيد عنده في كل مرة من المرات:

من جرب الكي لا ينسى مواجعه

ومن رأى السم لا يشقى كمن شربا

وفي القصيدة نفسها (من مفكرة عاشق دمشقي) من أراد أنسنة المكان استشهد بما قاله مخاطباً دمشق:

حبيبتي أنت فاستلقي كأغنية

على ذراعي ولا تستوضحي السببا

أنت النساء جميعاً ما من امرأة

أحببت بعدك إلا خلتها كذبا

ومن أراد أن يرسل رسالة لمحبوبته، فإنه سيقتطع هذين البيتين ويستعملهما خاصة إن كان يخاطب امرأة لم تعرف القصيدة!

وفي القصيدة نفسها نجد الإنسان المنتمي الذي يشكو من ضعف العرب يقرأ نزار قباني (أشكو العروبة أم أشكو لك العربا) فينتفض الجميع عندما يذكرها قائلها لأنهم يرونها شتيمة.

ومن يهدف إلى الغمز من الواقع يأخذ بيتاً (ولا المتنبي مالئ حلبا) وكأن هناك من يتحمل مسؤولية غياب المتنبي عن حلب، وهو يشير إليه بالإصبع.

ومنذ أيام أرسل لي صديق حواراً على قناة عربية كان مدارها هذه القصيدة، وتغنى المتحاورون بما فيها، لكنهم أهملوا:

أيا فلسطين من يهديك زنبقة

ومن يعيد لك البيت الذي خربا

تلفتي تجدينا في مباذلنا

من يعبد الجنس أو من يعبد الذهبا

فواحد أعمت الدنيا بصيرته

فللخنى والغواني كل ما وهبا

وواحد ببحار النفط مغتسل

قد ضاق بالخيش لبساً فارتدى القصبا

وخلفوا القدس فوق الوحل عارية

تبيح عزة نهديها لمن رغبا

من المؤكد أن القناة والمكان والدولة لا يسمح فيها بالحديث عن الخيش والنفط والجنس وعزة نهدي القدس.. وحين وصلوا إلى الختام تغنوا ببيت (الشعر ليس حمامات نطيرها) وأهملوا البيت الأكثر أهمية:

يا شام ما في جعبتي طرب

أستغفر الشعر أن يستجدي الطربا

والبيت الآخر يستثنيه بعضهم:

لكنه غضب طالت أظافره

ما أجبن الشعر إن لم يركب الغضبا

ففي الأول تعبير أستغفر الشعر، وربما كان في هذا جنوح عن الإيمان، ويستحق أن يقول المستمع (أستغفر الله) كما في (لو مثّلوا لي موطني وثناً) وهم ليسوا بحاجة لهذا البيت الذي قد ينهي عقد واحد منهم واستضافة آخرين، ويسقط الهيبة عن آخر!

التكامل والتشخيص

إن أي قصيدة حتى وإن كانت تقليدية على الشطرين، لابد من البحث عن تكاملها، وبيت القصيد ليس سوى ظاهرة تفرّغ الشعر من محتواه وجوهره، فالتكامل في النص غاية في القيمة والأهمية، وهو ما يطلق عليه نقادنا اليوم الوحدة الموضوعية في القصيدة، فقصيدة المتنبي (لك يا منازل) هي قصيدة عادية فنياً وتكتسب أهميتها من ربطها بحادثة المعري مع الشريف المرتضى (وإذا أتتك مذمتي من ناقص) وقصيدة الزركلي لرجل غادر وطنه، ويراه وهو يحترق، تقتله اللوعة، ودفعه إيمانه إلى تجسيد المستحيل حتى لا يخرج عن إيمانه (لو مثلوا لي موطني) وقصيدة نزار قالها بعد خمس سنوات من ابتعاده عن دمشق، ورؤيته للانهيار العربي الفظيع والمخيف، وفي مناسبة مهرجان الشعر العربي، فهي ليست رسالة سورية أو ذاتية، بل رسالة عربية، عندها يتحول كل بيت فيها إلى بيت قصيد، وليس من حق واحدهم أن يأخذ جزءاً ويلغي جزءاً خاصة في ميدان الدراسة والقراءة الأدبية، فالصورة متكاملة، والقصيدة واحدة في كل ميدان من ميادين الدراسة والقراءة، فلا قيمة لبيت المتنبي الذي نردده:

ليس إلاك يا علي همام

سيفه دون عرضه مسلول

إلا إذا رددناه مع بيته التالي:

وسوى الروم خلف ظهرك روم

فعلى أي جانبيك تميل

وإلا فقد البيت قيمته، وتحوّل إلى مجرد مديح أو هجاء، وفي كلا الحالين يفقد الشاعر قيمته ومصداقيته من أجل أغراض لنا، الشاعر يقف بعيداً عنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن