قضايا وآراء

متى تفتح دمشق أبوابها لأنقرة

| منذر عيد

ربما تتشابه العلاقات الإنسانية في كثير من الأحيان مع قواعد علم الكيمياء، حيث إن غليان أي مادة أو عنصر بشكل منفرد لا ينتج في كثير من الأحيان سوى التبخر، وحتى ينتج مكون أو عنصر جديد لابد من وجود مكون آخر يشكلان في مجمل عملية التفاعل معادلة ما، مسوغ ما سبق سيل التصريحات التي أطلقها ويطلقها مسؤولو النظام التركي بخصوص مسألة التقارب مع دمشق، وما رافقها من تحليلات واستنتاجات، وكل ذلك وسط عدم صدور أي تعليق أو ردة فعل من دمشق.

من المؤكد أن عدم إبداء دمشق ردة فعل علنية إزاء التصريحات التركية، لا يعني عدم مبالاة، أو رفض الفكرة من حيث المبدأ، لكن وبحسب التاريخ الطويل للدبلوماسية السورية، فإن ذلك نتاج لطبيعة تلك الدبلوماسية، التي تميزت دائماً بالهدوء والرصانة والتأني، ودراسة الأمور بشكل منطقي، وعلى أسس وقواعد ثابتة، بعيدة عن التسرع والانجرار وراء كلام المنابر، فقضية عودة العلاقات بين دمشق وأنقرة، بعد أكثر من عشر سنوات من لعب الأخيرة دوراً مأساوياً في الأزمة السورية، جلب للشعب السوري الويلات والقتل والدمار، ليست بتلك البساطة التي ربما يتصورها النظام التركي، ويدعو إليها عبر تصريحات هنا وأخرى هناك، فالأمر ليس مجرد خلاف على رأي وسحب سفراء، القضية أن النظام التركي يحتل أرضاً سورية، ودعم ويدعم تنظيمات إرهابية مثل «جبهة النصرة» في إدلب، والتوصل إلى حل جميع تلك القضايا لا يتم بإعلان رغبة أو ببادرة حسن نية، وإنما فعل في أرض الميدان، يمهد لحوار على طاولة مباحثات تتم لاحقاً.

مع حديث تقارير إعلامية عن تزايد المعطيات إلى تنشيط التحركات الروسية لدعم مسار التقارب بين دمشق وأنقرة، فإنه من الطبيعي أن يحضر ذاك الملف على طاولة الحوار بين وزير الخارجية والمغتربين فيصل المقداد الذي يزور موسكو، ونظيره الروسي سيرغي لافروف، وخاصة مع إدراك الجميع بأن عودة العلاقات السورية إلى طبيعتها، خطوة رئيسية في إنهاء الأزمة في سورية، نظراً للدور الذي تلعبه أنقرة كرأس حربة في جميع مجريات ما يحدث في سورية، لكن وفق الثوابت السورية أي وحدة الأراضي، والسيادة، واستعادة جميع المناطق التي يحتلها الجيش التركي أو الميليشيات المرتبطة بها، والالتزام بمبدأ الحل السوري السوري بما يتوافق مع مساري أستانا واللجنة الدستورية.

إذا ما قررت أنقرة فعلاً ترجمة أقوالها إلى أفعال، فهناك ثمة نقاط كثيرة يمكن أن تجعل من عملية تقاربها مع دمشق أمراً واقعياً، من بينها رفض وجود الاحتلال الأميركي، الذي وصفه رجب طيب أردوغان بأنه الداعم الرئيس للإرهاب في سورية، ورفض النزعة الانفصالية لما تسمى «الإدارة الذاتية» الكردية وميليشيات «قوات سورية الديمقراطية- قسد»، إضافة إلى الاتفاق على ملف عودة اللاجئين، لجهة سعي دمشق لإغلاقه وعودة جميع السوريين إلى بلدهم، ولجهة ما يسببه ذاك الملف من ضغوط على أردوغان مع اقتراب انتخابات 2023، إضافة إلى ذلك كله يقول أورخان بورصه لي في صحيفة «جمهوريات» التركية: إن «بيت القصيد في سياسة تركيا الجديدة تجاه سورية، هو تأمين الجبهة الشرقية للتفرّغ لمواجهة اليونان التي نسجت، بغياب تركيا، علاقات ممتازة مع السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل»، ومن هنا، «يصبح السلام مع سورية ضرورياً لتأمين محيط تركيا، والتفرّغ بعدها لمواجهة اليونان».

تتسارع خطوات النظام التركي نحو أبواب دمشق، حيث كان آخرها الخطوة التي أقدم عليها وزير الخارجية مولود جاووش أوغلو، بتأكيده أنّ لا شروط مسبقة لتركيا للحوار مع سورية، لتحدد نتائج زيارة رئيس حزب «وطن» التركي دوغو بيرينجيك، المرتقبة إلى سورية على رأس وفد كبير، وما سيتمخض عن تلك الزيارة ولقاء المسؤولين في سورية، متى تفتح دمشق أبوابها أمام زوار أنقرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن