ثقافة وفن

محاولة إضافية لتوثيق الذاكرة التشكيلية … الريادة مفهوم زمني قد يأخذ الاتجاهات الفنية بالحسبان .. طارق الشريف قدّم نصوصاً مهمة توثق الحركة الفنية السورية

| سعد القاسم

على امتداد الجزء الأول من هذه السلسة كان ثمة مسعى لتوثيق مرحلة الرواد في الفن التشكيلي السوري، اعتماداً على ما وصلنا من نصوص عنها، وكذلك على التعقيبات المهمة التي قدمها عدد من الفنانين والمعماريين الذين تابعوا الحلقات وأغنوها (مشكورين) بإضافاتهم، وملاحظاتهم. سواء على موقع (الوطن)، أو على المواقع التي أعادت نشر الحلقات السابقة.

الولادة والاتجاه

لأن المقصود بجيل الرواد هو الجانب الزمني، فقد أدرجنا ضمنه الفنانين الذين ولدوا قبل عام 1920، وقد عزز هذا الخيار أن جميع الفنانين الذين قدموا تجارب خارج الإطار الواقعي – الانطباعي قد ولدوا بعد هذا العام، باستثناء الرائد المعلم نصير شورى. وهو ما يتيح للباحث الفصل بين جيلين لا على أساس المرحلة الزمنية، وإنما أيضاً على جانب الاتجاهات الفنية.

مع البدايات المبكرة للفن التشكيلي السوري المعاصر ظهرت أولى المحاولات في الكتابة عنه، ورغم أن الكثير من هذه المحاولات قد غلب عليها الطابع الأدبي لكون من تصدّى لها هم من الأدباء والكتّاب، فإنها بقيت بكل الأحوال الأساس الذي قامت عليه الكتابات اللاحقة، إضافة إلى أنها قدمت مساهمة مهمة جداً في مجال تعريف الجمهور بالفن التشكيلي، وخاصة أن الجمعيات التي رعّت الفن التشكيلي ضمّت إلى جانب التشكيليين، الكتّاب والشعراء والموسيقيين وسواهم. وقد عبّرت المناخات الجديدة، عن التوق إلى بناء الثقافة الوطنية، وتمهيد الطريق للتطور والتقدم، ‏الذي تبنته دولة الوحدة بين سورية ومصر. ويمكن اعتبار تجربة د. عفيف البهنسي أول محاولة لتوثيق الفن التشكيلي السوري المعاصر، ففي عام 1960 أصدرت له وزارة الثقافة والإرشاد القومي للإقليم السوري كتاباً يعد – رغم صغر حجمه – مرجعاً وثائقياً مهماً، ومحاولة مبكرة لتأريخ الفن التشكيلي المعاصر في سورية، فالكتاب الذي حمل عنوان (الفنون التشكيلية في الإقليم السوري 1960-1900) مثّل إحدى أولى المحاولات (إن لم نقل المحاولة الأولى) لتوثيق الفن التشكيلي السوري على أساس تصنيف المدارس والاتجاهات والتيارات الفنية، وهو إلى جانب ذلك كان أشبه بدليل توثيقي للمعرض السنوي الذي أقيم للمرة الأولى عام 1950 حيث تضمن جداول تفصيلية بأسماء الفنانين المشاركين بالدورات العشر للمعرض وباتجاهاتهم.

محاولات للتوثيق

كانت محاولة التوثيق الثانية تلك التي قام بها الناقد طارق الشريف أول رئيس تحرير لمجلة (الحياة التشكيلية) من خلال سلسلة من المقالات نشرها في الأعداد الأولى للمجلة منذ عام 1980 عن جيل الرواد وجيل التحرر، ثم عن اتجاهات فن التشكيل السوري الحديث، يضاف إليها عدد كبير من المقالات عن الفنانين التشكيلين السوريين.

في عام 1973 نشر الناقد الدكتور عبد العزيز علون دراسة جزئية تحت عنوان (تاريخ النحت المعاصر في سورية) سعت لتوثيق هذا التاريخ، ثم اتبعها عام 2004 بكتاب كبير تحت عنوان (منعطف الستينيات في تاريخ الفنون الجميلة المعاصرة في سورية) استعرض فيه تجارب عدد من الفنانين المعاصرين الذين استضافت صالة الفن الحديث معارضهم، وكان قد سبقه الكتاب الذي أصدرته صالة أتاسي عام 1998 تحت عنوان (الفن التشكيلي المعاصر في سورية)، وكتب نصه الرئيسي الناقد طارق الشريف، وفيه كرّس منهجه في تقسيم الفن التشكيلي السوري إلى ثلاثة أجيال: (الرواد والمحدثين والمعاصرين)، وهو المنهج الذي اعتمد من معظم العاملين في مجال تأريخ وتوثيق الفن التشكيلي السوري، ومنهم الناقد والفنان طاهر البني الذي اعتمد التقسيم ذاته في كتابه (ذاكرة الفن التشكيلي في سورية) الصادر أعوام 2005 – 2003 في ثلاثة أجزاء عن وزارة الثقافة في دمشق، وكذلك أيضاً الناقد والفنان محمود مكي في سلسلة كتبه، ومنها (موسوعة الفن التشكيلي في مدينة حلب).

عاصمة الثقافة والتشكيل

ضمن احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية، أصدرت الأمانة العامة للاحتفالية عام 2008 أربعة ألبومات تحت عنوان (إحياء الذاكرة التشكيلية في سورية)، تناول الأول الذي تقدمه نص للفنان الياس زيات، مختارات من مجموعة المتحف الوطني بدمشق من البدايات وحتى ستينيات القرن العشرين، وتضمن الألبومان الثاني والثالث دراستين للفنان والباحث طلال معلا عن فنون الحداثة في التشكيل السوري، بينما عرض الألبوم الرابع صور أعمال الجيل الجديد من الفنانين السوريين دون نص بحثي مرافق.

تعميم الثقافة الفنية

ثمة تجربة تستحق التوقف عندها وهي تجربة الفنان التشكيلي الراحل سعد الله مقصود الذي سعى إلى تعميم الثقافة التشكيلية عبر إطلاق مشروعه الذي حمل عنوان (الفن للجميع) بهدف خلق التواصل بين اللوحة والناس، من مختلف الشرائح والأعمار والمستويات، وكانت الخطوة الأولى في هذا المشروع الرائد مطلع صيف عام 1999 حين عرض مكبرات للوحات أكثر من خمسين فناناً سورياً على ثلاثمئة من اللوحات الإعلانية المضاءة المنتشرة في شوارع وساحات دمشق، ثم أتبع هذا المعرض المفتوح بمعرض مشابه في مدينة (حلب)، وفي وقت لاحق كرر المبادرة مع خمس عشرة لوحة مختارة من أعمال لؤي كيالي، عرضت بعد ذلك في معرض خاص استضافته صالة أتاسي بدمشق، بالتزامن مع إطلاق الكتاب الأول (والأخير) ضمن المشروع الطموح. وحمل عنوان (لؤي كيالي – ذكريات معه وقراءات نقدية في فنه) وأعد نصه التحليلي الناقد الراحل صلاح الدين محمد وكانت الخطوة التالية البالغة الأهمية إصداره (قاموس الفن للجميع) عام 2002، الذي تضمن صور أعمال معظم الفنانين السوريين، إضافة للمحة موجزة عن مسيرة كل فنان. (يتبع).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن