ثقافة وفن

«المكتبة السُّميساطيّة»… اختزنت أحداثاً تاريخية وكانت عوناً للدارسين

| مايا سلامي

صدر عن وزارة الثقافة- الهيئة العامة للكتاب دراسة بعنوان «المكتبة السُّميساطيّة»، إعداد رانيا الحداد، تقع في 125 صفحة من القطع الكبير، وتهدف الدراسة إلى تسليط الضوء على مكتبة «الخانقاه السُّميساطية» التي اختزنت أحداثاً تاريخية كثيرة وقد حوت رفوفها مخطوطات نفسية وفريدة كانت عوناً للدارسين في تحصيلهم العلمي آنذاك، وهي التي أغرت العلماء ليوقفوا كتبهم ومخطوطاتهم عليها، إذ كان للمدارس ودور العلم في دمشق خلال العهدين الأيوبي والمملوكي أثر بارز ومهم في نشر العلوم والثقافة. وتعد هذه الدراسة لبنة طيبة تضاف إلى الدراسات الأكاديمية التاريخية والمكتبية ذات المنهج العلمي، إذ اعتمدت على الدراسات البيبلومترية أساساً في البحث وتوثيق المعلومات وتقديمها للباحثين برؤية عصرية توافق التطور في مجال المكتبات والمعلومات.

وتشمل هذه الدراسة كلاً من الجانبين النظري الذي بينت فيه أهمية الوقف ودوره في إنشاء بنية المكتبة العربية فكشفت جانباً من جوانب إشراق الماضي وأسرار التراث لمحبيه، والعملي الذي درست فيه مخطوطات السّميساطية دراسة بيلومترية وهي من الدراسات الحديثة في علم المكتبات والمعلومات وتقوم على دراسة إحصائية وقياسات كمية وتحليل للسمات البنائية لهذه المخطوطات التراثية وذلك لتقديم المعرفة وتنظيمها بأسلوب علمي منهجي.

الوقف

وفي البداية تتحدث الكاتبة عن بدايات فكرة الوقف التي كانت معروفة عند كثير من الأمم السابقة وإن لم تعرف بالاسم نفسه، فقد رصد قدماء المصريين الأراضي للآلهة والمعابد والمقابر وكذلك في بلاد الرافدين والإغريق والرومان، كما اشتهر عند العرب قبل الإسلام الوقف على الكعبة المشرفة بكسوتها وترميمها، وأيضاً عُرف الإنفاق على الكنائس ومن ثم في صدر الإسلام وما تلاه من عصور تعددت أشكال البر والوقف فيه.

وتشير إلى أنه لا يوجد تاريخ مؤكد يحدد بداية الاتجاه نحو وقف الكتب والمكتبات رغم أن المصادر القديمة تتحدث عن مكتبات خاصة وعن أفراد جمعوا كتباً إلا أنها لم تذكر مايفيد بلجوء أي فرد منهم إلى وقفها بعد وفاته. لكن لا بد من الإشارة إلى أن المكتبات بدأت بمراحل مبكرة فيما يخص وقف الكتب من خلال وقف القرآن وكتب الحديث والفقه وغيرها على المساجد وتطورت إلى أن تبلورت حركة الوقف للكتب في مختلف أنواع العلوم في القرن الرابع الهجري، ومن ثم فقد عدّ وقف الكتب وحبسها على المكتبات مصدراً مهماً رئيساً من مصادر تزويد المكتبات بالكتب.

نشأة الخانقاه السميساطية

وتستعرض الكاتبة لمحة تاريخية عن نشأة الخانقاه السميساطية في دمشق ومراحل تطورها، فتقول: «تعد من أشهر خوانق دمشق إلى يمين الخارج من باب الجامع الأموي الشمالي بباب الناطفايين المعروف الآن بباب العمارة، وكانت هذه الخانقاه دار عبد العزيز بن مروان بن الحكم أبي الأصبع الأموي أمير المؤمنين ثم انتقلت هذه الدار بعده إلى ابنه عمر بن عبد العزيز، ولما قدم «أبو القاسم السميساطي» دمشق وسكن بدرب الخزاعية وإليه كان يفتح باب هذه الدار وعرف الدرب به اشترى هذه الدار وبنى بها الصفة القبلية وجنبها لاغير وباقيها ساحة وقفها على فقراء الصوفية ووقف علوها على الجامع ووقف أكثر نعمة على وجه البر، وهنا تحولت وظيفة هذه الدار من مكان للسكن إلى مكان للعلم والعبادة وبدأت التطورات العمرانية المتلاحقة لإتمام وظيفتها».

وقد انفردت الخانقاه بميزات عدة منها: أن يكون شيخها هو شيخ الشيوخ، وهي وظيفة موضوعها التحدث عن جميع الخوانق والفقراء في بدمشق وأعمالها، كما برز دورها في استقبال الصوفية من أنحاء العالم الإسلامي، كما تميزت بأن شملت أوقافها الكتب وهذه صفة تميزت بها من غيرها من الخانقاهات مما أدى إلى تشكيل مكتبة ذاع صيتها في الأرجاء، ضمت بين رفوفها الكثير من المجلدات والمؤلفات المهمة.

محتويات المكتبة

وتقدم الدراسة لمحة عن محتويات مكتبة الخانقاه السميساطية التي كانت عامرة بالأوقاف التي كانت تردها، وقد ذكرت كتب التراث مجموعة من المصنفات التي أغنت هذه المكتبة وجعلتها ذائعة الصيت ومقصداً لكثير من المتصوفة والدارسين والعلماء والفقهاء، ومن هذه المصنفات: (الفوائد) مؤلفه محمد بن عبد الله بن الحكم، (الكافي من الشافي في شرح المسند من الحديث الشافعي) مؤلفه صفي الدين الأرموري، (مسودة كتاب تهذيب اللغة) مؤلفه الأزهري، (الاستبصار) مؤلفه محمد بن إسرائيل أبي عبيد اللـه السلمي، (المُذهب في المَذهب) مؤلفه نصر بن إبراهيم.

نهاية المكتبة

وتكشف الكاتبة عن نهاية مكتبة الخانقاه السميساطية ومصير مصنافاتها والطريق الذي سلكته حتى وصلت إلى مكتبة الأسد الوطنية، فقد بقيت هذه المكتبة مركزاً مشعاً لما يقرب ثلاثة قرون، وقد ارتبط مصيرها بمصير الخانقاه هذا المصير الذي تأثر بالأحداث المحيطة من ازدهار وانحطاط، كما تأثر بعوامل داخلية خاصة بالمكتبة من حيث تغير الإدارات وتغير خزان المكتبة وتهاون البعض في إعارة مصنفاتها، ثم جاء «تيمورلنك» بجنوده وعاث فساداً بالبلاد وأحرق ونهب الكثير من المكتبات، تلا ذلك الاحتلال العثماني وما نتج عنه من تردي الأوضاع الاجتماعية والثقافية، فنهبت المكتبات وتشتت مجموعاتها حتى قدم مدحت باشا والياً على دمشق فألف الجمعية الخيرية ووكل إليها البحث عن الكتب والمكتبات وكانت مكتبة السميساطية إحداها وبقيت ذخائرها محفوظة في خزانة الظاهرية أكثر من مئة عام إلى أن افتتحت مكتبة الأسد الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن