اقتصاد

فيروس «التضخم» يجتاح العالم.. ارتفاع أسعار غير مسبوق منذ 40 عاماً … سيروب لـ«الوطن»: البنوك المركزية تأخرت في استخدام أدوات السياسة النقدية للحد من التضخم

| فراس القاضي

منذ أكثر عام، يسيطر الحديث عن التضخم الاقتصادي وتوقعات ارتفاعه أو انخفاضه، وأثره في السكان بشكل كبير على كل مواقع الدراسات الاقتصادية والمواقع البحثية التي تراقب الاقتصاد العالمي، وعلى المصارف المركزية وأحاديث وتصريحات خبراء الاقتصاد، لما له من آثار سيئة على كل مستويات الحياة، وخاصة في البلدان التي تعاني ظروفاً خاصة مثل سورية التي تجاوزت معدلات التضخم فيها حدّاً مهولاً جداً.

ولمن لا يعرف معنى التضخم الاقتصادي، فقد وردت له عدة تعريفات أكاديمية، لكنها تصب في الاتجاه والمعنى ذاتهما، ومنها أّنه الزيادة العامة في أغلب قيم الأسعار، ويرافقها تأثير في قيمة النقود المتداولة، ما يؤدي إلى انخفاض قيمتها الفعلية، وهو كذلك زيادة في حجم النقود في السوق، والذي ينتج عنه فقدان للقيمة الحقيقية للعملات، ويقابله ارتفاع في سعر السلع، والخدمات في الأسواق التجارية.. وأبسط هذه التعريفات وأقربها للفهم، أن التضخم هو فقدان القوة الشرائية بمرور الوقت، ما يعني أن كمية النقود التي تمتلكها لن تشتري لك اليوم ما اشترته أمس.

أرقام عالمية

كانت بداية ارتفاع نسب التضخم بشكل كبير وواضح مع انتشار جائحة كورونا وتوقف سلاسل التوريدات بسبب الحجر الذي فرضته أغلب دول العالم في العام 2020، والذي توقع له الكثير من الاقتصاديين انحساراً قريباً مع عودة سلاسل التوريدات إلى وضعها السابق، لكن كان لمجموعة من الأمور ومنها ارتفاع أسعار الشحن لمستويات غير مسبوقة رأي آخر، ثم كانت الضربة الكبرى التي صعدت مستويات التضخم وصعّبت الوصول إلى حلول سريعة وهي الحرب في أوكرانيا، وفيما يلي بعض أرقام ونسب التضخم التي سجلتها دول العالم حسب آخر تحديثات المؤسسات الاقتصادية فيها وفي العالم:

الولايات المتحدة الأميركية التي قالت وزارة العمل فيها إن معدل التضخم السنوي ارتفع إلى 8.6 في المئة في أيار الماضي، بعد أن تراجع قليلاً في نيسان الماضي، وهو أعلى معدل ارتفاع منذ عام 1981. وفي بريطانيا، قفزت معدلات التضخم من جديد لتسجل أعلى مستوياتها خلال شهر حزيران الماضي، ووصل إلى 9.1 بالمئة، وسط توقعات بأن تشهد البلاد مزيداً من الركود الاقتصادي على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية.

وبحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، فإن الأسعار ارتفعت بأسرع معدل لها منذ 40 عاماً بسبب الارتفاع القياسي في تكاليف الوقود والطاقة، ومن المتوقع أن يصل التضخم إلى 11 بالمئة في وقت لاحق من هذا العام.

وفي فرنسا، شهد معدل التضخم تسارعاً أكبر خلال حزيران الماضي، ليصل إلى 5.8 بالمئة على أساس سنوي، مقابل 5.2 بالمئة في أيار الماضي، وفقاً لتقدير أولي مؤقت للمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية، إلا أنه لا يزال أدنى معدل للتضخم في الغرب الصناعي، وأقل بكثير من ألمانيا التي سجلت 7.3 بالمئة، وإسبانيا 9.8 بالمئة وهولندا 11.9 بالمئة.

تضخم عام وتضخم رئيسي

الدكتورة رشا سيروب العميد الأسبق لكلية الاقتصاد في القنيطرة، بدأت حديثها لـ«الوطن» عن التمييز بين التضخم العام؛ وهو مقياس للتضخم الإجمالي داخل الاقتصاد بما في ذلك أسعار المواد الغذائية والطاقة، وبين التضخم الرئيسي الذي يستثني مكونات الغذاء والطاقة التي تميل إلى أن تكون أكثر تقلباً وعرضة للارتفاعات التضخمية، لذلك لا يعكس التضخم العام مدى الأثر الذي يحدثه ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة في استهلاك الأسر، وبالتالي لا يعطي صورة دقيقة للاتجاه التضخمي في الاقتصاد، موضحة أن ما يشعر به المواطن هو الارتفاع في أسعار الغذاء والطاقة، ومع ذلك، على الرغم من أن أسعار هذه السلع قد تزيد أو تنخفض بشكل متكرر بمعدلات سريعة، إلا أن اضطرابات أسعار هذه السلع غير مدفوعة بشكل أساسي بالتغير الإجمالي للاقتصاد. بدلاً من ذلك، غالباً ما تكون التغييرات في أسعار الغذاء والطاقة مرتبطة على الأرجح بعوامل مؤقتة قد تنعكس في وقت لاحق.

رفع أسعار الفائدة القصيرة الأجل

وتوضح سيروب أنه فعلياً بدأ التضخم العام بتجاوز حدوده المستهدفة في اقتصادات الدول المتقدمة منذ أوائل 2021، مدفوعاً بسياسات التحفيز النقدية «التيسير الكمي» وخطط الإنقاذ التي لجأت لها حكومات دول العالم للحد من آثار انتشار كوفيد 19. وقد تأخرت البنوك المركزية في استخدام أدوات السياسة النقدية الأخرى «معدلات الفائدة» للحد من التضخم، لأنها قللت من خطورة آثار التحفيز خلال الوباء. حيث كان من المتوقع أن تعود سلاسل التوريد المعطّلة وجانب العرض في الاقتصاد إلى طبيعتها بشكل عام أسرع بكثير مما كان عليه الحال.

لكن مع الحرب الروسية الأوكرانية والتي أثرت في إمدادات الطاقة والغذاء، بات للتضخم العام مستوى جديد أكبر بكثير من المستهدف، لذا فإن توقعات التضخم المستقبلي ستكون عرضة للكثير من عدم اليقين، وخاصة إذا ساءت الحرب الروسية الأوكرانية، قد يصل التضخم إلى ذروته مع بداية فصل الشتاء من هذا العام، إذ إن الغذاء والطاقة سوف يدفعان التضخم العام إلى الجموح، سيؤدي تغير المناخ إلى جعل إنتاج الغذاء العالمي أكثر تقلباً ودفع الأسعار إلى الارتفاع، وسيؤدي التحول الأخضر إلى ارتفاع أسعار الطاقة. وحينها سيتدخل السياسيون في الاقتصاد لتخفيف الآلام الناجمة عن هذا الارتفاع، لكن هذه القرارات ستحافظ فقط على نمو الاقتصاد الاسمي بسرعة وبالتالي الحفاظ على التضخم لفترة أطول، ويبلغ معدل التضخم العام حالياً ضعف معدل التضخم الرئيسي، لذا يجب تحديد أسعار الفائدة القصيرة الأجل أعلى بكثير للحد من التضخم.

الحل في الإنتاج

وترى سيروب أنه في بيئة تضخمية، يجب أن يزداد الإنتاج المادي بشكل كبير، وعلى المستثمرين الاستثمار في العالم الملموس لتعويض مخاطر التضخم من أجل الحفاظ على الثروة بالقيمة الحقيقية، لأنه في حال ركزت البنوك المركزية كثيراً على التضخم الرئيسي، فقد تكون النتيجة خطأ فادحاً، وسيكون الغذاء والطاقة عنوان أزمتنا لسنوات قادمة. وهو ما يستدعي أن تتزامن السياسات النقدية مع تحفيز الاستثمار في العالم المادي (وليس الخدمي).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن