قضايا وآراء

عام التحديات السياسية والاقتصادية

| الدكتور قحطان السيوفي

عام 2022 عام صعب فيما يتعلق بالنمو العالمي، فهو من المفترض أن يكون عام التطبيع مع مرحلة ما بعد فيروس كورونا المتمثلة في إعادة التنظيم الجيوسياسي، واضطراب العرض المستمر، وتقلبات الأسواق المالية، وكلها عوامل تضطلع بدور معين في سياق ارتفاع الضغوط التضخمية ومحدودية فرص صنع السياسات.

يُظهر آخر تحديث لمؤشرات «بروكينز- فاينانشيال تايمز» لتتبع التعافي الاقتصادي العالمي خسارة عامة في زخم النمو، وبسبب الحرب في أوكرانيا، والظهور المتجدد لكوفيد 19 في الصين، والافتقار إلى خيارات سياسة الاقتصاد الكلي المتاحة لمعظم الحكومات، أصبح عام 2022 عاماً صعباً فيما يتعلق بالنمو العالمي، يقول مارتن وولف في «الفاينانشال تايمز» إن «عودة التضخم ليست مجرد حدث اقتصادي مهم وخطير. إنها حدث سياسي أيضاً».

يثير التضخم مشكلات كبيرة تتطلب قرارات صعبة من أجل إعادة السيطرة عليها، وعلى ضوء حجم ومدة التباطؤ الاقتصادي وفعالية السياسة المطبقة لمواجهة التضخم تتوضح الخطوات الإضافية التي على الحكومات اتخاذها؟ وبالتحديد، هل ينبغي خفض التضخم إلى الأهداف المعلنة، أم هل ينبغي لهم الاستسلام؟

مع بداية النصف الثاني لعام 2022 «كانت ثلاثة أرباع الاقتصادات تشهد تضخماً أعلى من 5 في المئة»، حسبما يشير بنك التسويات الدولية. حيث عاد التضخم، ليس كصديق لكن كعدو خطير». وكتحد على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.

ببساطة، يهتم الناس به، لأنه يعني تخفيضات في المداخيل الحقيقية، والخطر الآن هو التضخم المصحوب بالركود الذي يعرف بأنه حلقة مطولة من النمو الضعيف إضافة إلى التضخم المتغير والمستمر، ويشرح بنك التسويات الدولية خطورة نظام التضخم المرتفع الذي يعني التحولات الكبيرة في الأسعار النسبية والانخفاض الكبير في قيمة العملة، حيث يكافح الناس لحماية أنفسهم من الصدمات التي تتعرض لها المداخيل الحقيقية.

من جانب آخر الدولار القوي يُذكي شعلة التضخم المستورد ويرفع معدلات الديون العالمية بجانب ارتفاع أسعار السلع المستوردة، ويؤثر في جميع أسعار السلع والعملات الأخرى ويزيد من احتمالات الركود الاقتصادي العالمي.

التحدي الأكبر هو التضخم الناتج من الخلل الشديد الذي حدث في سلاسل الإمداد الذي بدأ مع وباء كورونا وازداد قوة مع اندلاع الحرب الأوكرانية والعقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب على روسيا ورد روسيا عليها.

أما تأثير قوة الدولار في الاقتصاد الأميركي نفسه، فيتمثل في تراجع معدلات الاستهلاك الداخلية في أميركا، وهي محرك رئيس في معدلات النمو.

من المؤكد أن خطر حدوث الركود في الولايات المتحدة ارتفع بشكل كبير، والآن تدور الشكوك الرئيسة حول توقيته ومدى شدته. وبالتالي تبدو وجهة النظر المتفائلة التي تزعم أن التضخم سينخفض بشكل كبير من تلقاء ذاته ليست صحيحة.

عندما يتجاوز عجز الحساب الجاري باستمرار 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فإن ذلك يعد إشارة أكيدة إلى حدوث مشكلة مالية في المستقبل.

اقترب عجز الحساب الجاري للولايات المتحدة الآن من عتبة الـ5 في المئة، التي تجاوزها مرة واحدة فقط سابقاً، ترى هل تنزلق كل من أوروبا والصين والولايات المتحدة إلى حالة من الركود، في توقيت واحد وفي وقت لاحق من هذا العام؟

الواقع إن مخاطر حدوث ركود عالمي ثلاثي تتعاظم بمرور كل يوم، ستؤدي عمليات الإغلاق واسعة النطاق في الصين إلى إحداث فوضى في سلاسل التوريد العالمية في الأمد القريب، ما يؤدي إلى زيادة التضخم في الولايات المتحدة وانخفاض الطلب في أوروبا.

الحكومة الصينية والبنك المركزي لديهما مساحة أكبر للمناورة مقارنة بصانعي السياسات في الاقتصادات الكبرى الأخرى، يبدو أن صناع السياسات لا يرون سوى الأسلحة الأكثر تبسيطاً ضد التضخم، مثل رفع أسعار الفائدة وإحكام القيود على السيولة، التي لا تفعل كثيراً لمعالجة الضغوط التي تدفع التكلفة إلى الارتفاع، وقد تتسبب في إحداث انكماش اقتصادي حقيقي.

بعد الحرب الباردة للعولمة المفرطة، أصبحت الصين وروسيا واقتصادات الأسواق الناشئة الأخرى أكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي، حيث زودته بالسلع والخدمات والطاقة والسلع منخفضة التكلفة، وأدت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ورد الغرب عليها، إلى تعطيل تجارة الطاقة، والأغذية، والأسمدة، والمعادن الصناعية، وغيرها من السلع.

كما أن تغير المناخ مصحوباً بركود تضخمي، يؤدي إلى موجات الجفاف والحر والأعاصير والكوارث الأخرى إلى تعطيل النشاط الاقتصادي وارتفاع أسعار الغذاء، وستشكل الأوبئة أيضاً تهديداً مستمراً.

بعد عامين ونصف العام من الإصابة بفيروس كورونا، أصبح لدينا الآن جدري القردة، وبسبب الانتهاكات البشرية للنظم البيئية الهشة وذوبان التربة الصقيعية في سيبيريا، قد نتعامل قريباً مع فيروسات وبكتيريا خطيرة تم حبسها لآلاف الأعوام.

عام 2022 عام التحديات والتضخم، وهو تحدٍّ سياسي واقتصادي التصدي له يتطلب قرارات صعبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن