ثقافة وفن

منافقو التاريخ.. أين نحن منهم؟!

| إسماعيل مروة

ما الفرق بين أن تهدم بيتك العامر وأن يهدمه الآخر؟

ما الفرق بين أن تكون على غير استقامة وأن ترى الآخر غير مستقيم؟

ما الخلاف بين أن تكون مناطقياً منحازاً وأن يكون الآخرون كذلك؟

من حق أي واحد منا أن يدافع عن نفسه وبيته ووطنه حين يتعرض لهجمة من خصومه وأعدائه، لكن هذه المواجهة تتحول إلى محاربة طواحين الهواء، بل تصبح مسرحية ساخرة لا قيمة لها عندما يكون الواحد منا هو المدمر لنفسه وبيته وأرضه ووطنه!

كيف أطلب من الآخر أن يحافظ عليّ، وفي أحسن الأحوال أن يتركني وشأني وأنا أستقدم الفئران والجرذان لتقضم قمحي وشعيري، وحين تكتفي تدخل إلى مخزن أموالي لتقتات على العملة الورقية التي تحبها؟!

حين يهدم أحدهم بمصلحيته مؤسسة اقتصادية، أو مؤسسة فكرية، أو مؤسسة ثقافية بإخضاعها لمصالحه وعلاقاته ورغائبه وأهوائه وانتمائه أليس ذلك أكثر خطورة من أي هجوم خارجي سواء كان إلكترونياً أم فكرياً؟!

وحين ينادي السدنة والحماة ومن نظنهم من الكبار، أو على الأقل يجلسون هذا المجلس باللغات الأجنبية على حساب اللغة القومية، مهما كانت الذرائع مقنعة، أليس ذلك أصعب أنواع الهدم؟ أليس أكثر صعوبة وفداحة من أي هجوم آخر يقوم به الآخر ضد مؤسساتنا؟

عندما نجد بيت أحدهم أكثر فخامة ورفاهية من المؤسسة التي يشرف عليها ويديرها ويتحكم بها، أليس ذلك أكثر سوءاً من أي هجوم على هذه المؤسسات سواء كان الهجوم مادياً أم معنوياً؟

لاشك في أن الناس يجب أن يقفوا معاً في مواجهة الخطر الداهم القادم من الخارج، ولاشك في أن المخاطر لن تتوقف من الخارج ضد أي بلد، فما بإمكان أي بلد في الكون أن يكون محايداً.

هناك دوماً من يطمع به وبموقعه وثرواته، وهناك من يحاول أن يفقده خصوصيته وأن يسلبه هويته، ولكن هل يمكن أن يقبع هذا البلد أو ذاك ليندب حظه ويتحدث عن الهجوم الخارجي عليه دون أن يفعل شيئاً؟ وهل يمكن أن يصل الأمر إلى ما هو عليه في بلداننا العربية، في أن يقف الواحد منا ضد بلده سواء كان في مواقع السلطة أو في المعارضة؟ هل شهد العالم عبر تاريخه التعاطي الذي يتعاطاه العرب مع قضاياهم ومصالحهم؟

الواحد منا يعرف كل شيء، كما يدّعي أم يفترض، وكل ما يقوم به يتنافى مع المعرفة والمصلحة بأي شكل كان! الواحد منا يتحدث عن الوحدة الوطنية، وكل ما يقوم به من موقعه يتنافى مع الوحدة الوطنية، ويصب في مصلحة الهجمة القادمة من الخارج! هل صحيح أننا دوماً وعبر التاريخ كتب علينا أن نقتل بعضنا أكثر مما يفعل بنا الآخرون؟ هل سيبقى التاريخ يسجل خياناتنا لأنفسنا وأوطاننا وأبناء جلدتنا؟ ملوك الطوائف تحالفوا مع ألفونسو، ومن قبل، وقبل الإسلام تحالف العرب بقبائلهم مع إمبراطوريتي الفرس والروم، وخاضوا الحروب بالوكالة عن هاتين الإمبراطوريتين، واستمرت اللعبة الوجودية لنا بهذا الشكل، ووصلنا إلى الدولة العربية الوطنية، وبقينا نقسم أنفسنا، مع المستعمر أو ضده، وبعد انكشاف الوثائق يتبين لنا أن ما كان يجري من الجانبين هو ضد الوطن ومصالحه وقضاياه!

ما الفرق بين من يمنع أبناءنا من التحصيل العلمي النادر، ويمنع عودتهم، وبين من يحاربهم إذا عادوا، ولا يقدم لهم الجو المناسب، ليتحولوا إلى مجرد موظفين؟!

ما الفرق بين من يسرق طاقاتنا وقدراتنا وشبابنا، ومن يمنعهم من الإبداع ويضع العوائق أمامهم حتى لا يفعلوا شيئاً؟ ما الفرق بين من يضيق الخناق على بلداننا، وبين من يجعل الناس يكفرون بالبلدان، وهو في جنة عالية عرضها البلاد بطولها وعرضها؟ ما الفرق بين من يسرق خيراتنا، ومن يهدر هذه الخيرات؟!

وسائل التواصل، والإعلام الجديد استطاع أن يكشف المستور، فكشف الغطاء عن شخصيات كان الإنسان يجلها، وينظر إليها باحترام شديد، ليكتشف سطحيتها وهشاشة ما لديها، وفي أحايين كثيرة يكتشف قبح ما لديها من أقوال وأفعال وممارسات، ويصل الأمر مداه عندما يكون مثل هؤلاء متحكمين بمفاصل، ولا حول لك ولا قوة في مناقشتهم، أو في رفض ما يقومون به!

ويأتي واحد ليقول لك: نحن نختلف عن الآخرين! فإذا كنا نختلف عن الآخرين، فلماذا وصلنا إلى هنا؟ إذا كنا مثقفين فلماذا سمحنا لمن لا يدانينا أن يتحدث عن مؤسساتنا بالسوء ثقافياً وفكرياً؟ إذا كنا مختلفين فلماذا نفرّغ مؤسساتنا من الطاقات والقدرات إكراماً لمصالحنا؟

الحقيقة أننا لا نختلف عن غيرنا إلا ببعض الظروف الموضوعية والاقتصادية والاجتماعية التي نقلتنا من كارثة إلى كارثة، فجعلتنا براغماتيين قادرين على تحمّل أقسى الظروف، وما سوى ذلك لا وجود له!

سننتظر معاً ما يسمى إعادة الإعمار، وربما يشهد أولادنا صراعات أخرى تؤسس على ما قمنا به في جانب إعمار الإنسان، سيستغرق الأمر سنوات وعقوداً، لكن القيح سينفجر، وعندها ننتقل إلى قيح آخر، ونبقى نردد قصة أبي عبد الله الصغير وأمه، نرددها لنشمت به لأنه فعل وفعل، نرددها حتى نبتعد عن بنية الحكاية التي تكتب في كل زمان ومكان، لكنها تتحول إلى تاريخ! بعد خمسين عاماً نهضت أمم.. وبعد ألف وخمسمئة عام ما نزال نتشاءم ونسأل عن السقيفة والأحقية والحكم.. ولا شيء غير!!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن