ثقافة وفن

حين فهم الأولون معنى (الوطن).. فأنتجوا فكراً إسلامياً مستنيراً! … الطهطاوي حاول التوفيق بين النموذجين الغربي والإسلامي في مفهوم الوطنية

| بقلم: د. رفعت سيد أحمد

دراسات للكاتب الدكتور رفعت سيد أحمد يقدمها تباعاً للقراء ليكشف سبل التنوير منذ بداياتها وكيف تم حرفها، وبموافقة منه تنشر «الوطن» بعض هذه الدراسات لتعم فائدتها.

المحرر الثقافي

دأب الفكر الإسلامي المعاصر وبخاصة بعد النصف الثاني من هذا القرن وحتى يومنا هذا، على إعادة إنتاج قضاياه القديمة، وإعادة طرحها بالشروط نفسها وذات المواصفات التي كانت ملازمة لها مع أوائل القرن التاسع عشر، وهي عملية تعكس في تقديرنا حالة الخلل البنائي الذي أصاب العقل المسلم، والعربي فجعله يقف عن الإبداع، ويكتفي باجترار القديم، ويعيد إنتاج ما وقف الكثيرون عن إنتاجه بل عن شرائه، وتسويقه، وهي حالة من الخلل ساهمت فيها عوامل عدة ذاتية، وموضوعية، ليس هذا مجال الخوض فيها.

إن ما يهمنا في هذا المقام هو الإشارة إلى أن إشكالية «الوطن والوطنية في الفكر الإسلامي المعاصر» كانت واحدة من أبرز هذه القضايا التي اعتدنا على إعادة إنتاجها، وتسويقها بين حين وآخر بذات المواصفات والشروط التي أُنتجت في إطارها منذ ما يقرب من القرنين، وعادة بصنعة أقل جودة.

ولأن هذه الإشكالية بهذا الوضع؛ فإن مهمة (إعادة إنتاجها)- في تقديرنا – مصدر الصعوبة الحقيقي، ومكمن التحدي في الوقت ذاته، وهو تحد يتطلب منا أن نقدم جديداً في قضية استطاع السلف الصالح من المعاصرين، أن يحسموها منذ ما يقرب من مئتي عام مضت، مع غيرها من القضايا ولأن الجديد في قضايا الفكر الإنساني بعامة، «وفي قضايا الفكر الإسلامي بخاصة»، غير منبت الصلة بالقديم، بل هو امتداد له في عملية تكامل حضارية وسياسية معقدة، من هنا وجب تقديم إنجازات الموروث الفكري تجاه هذه القضية والبناء عليه.

وهو ما سنحاول القيام به في هذه الدراسة عبر عدة حلقات مستقلة تصلح كل واحدة فيها لتكون مقالاً مستقلاً بذاته انطلاقاً من فرضية أساسية مفادها أن (الوطنية) بمعنى الانتماء لوطن معين والذود عنه، لا تتناقض مع (الإسلامية) إذا ما بُنيت على أساس عقائدي صحيح يأخذ من الانتماء إلى الإسلام بناءه الكلي ودائرته الأشمل التي تجيز– بل تفرض في أغلب الأحيان – الانتماء إلى الوطن (بمعنى الأرض)، أو إلى القوم «القومية»، نقول: إن هذا يجوز بل يرقى إلى مستوى الفرض في الإسلام إذا ما بُنِي على أساس عقائدي ورسالي صحيح، وليس انتقائياً كما كان – وما زال– سائداً في بعض المشاريع الوطنية، والقومية على المستوى العربي.

هذا هو افتراضنا الأساسي

وهو افتراض، سوف نرى من خلاله جميع الاجتهادات الفكرية التي طرحها الفكر الإسلامي المعاصر بشأن مسألة (الوطنية)، وسوف نقيس عليه تلك الاجتهادات.

وفي سبيلنا لإعمال هذا المنهج وصولاً إلى إنتاج جديد بشأن هذه القضية، أو على أضعف الإيمان، تجويد الصنعة، في عملية إعادة إنتاجها، فإننا سوف نتناولها من خلال مستويين (أو محورين) من التحليل، الأول ونقوم فيه بإعادة تركيب القضية، من خلال إعادة قراءة أبرز الاجتهادات الفكرية للرواد الأوائل من الإسلاميين خلال الفترة الممتدة من أوائل القرن التاسع عشر، وحتى نهايات القرن الماضي، وهو ما يعني التفتيش والبحث عن تعبيرات الإشكالية في أدبيات الطهطاوي، وأحمد عرابي، والأفغاني، ومحمد عبده.. وغيرهم، ثم إعادة صياغتها من جديد، وصولاً إلى معرفة موقعها، وأبعادها، ودلالاتها، ومعانيها لديهم.

أما المستوى الثاني فيتناول بتحليل– حاولنا أن يكون جديداً– إشكالية الوطنية كما فهمها التيار الإسلامي المتشدد في مصر خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات من خلال وثائقهم الخاصة والتي لم ينشر أغلبها حتى اليوم والتي تمثل في تقديري الأساس الفكري الأول لجماعات داعش والقاعدة وغيرها من تنظيمات العنف الديني التي لا موضع ولا قيمة لـ(الوطن) لديهم.

تلك هي خطة بحثنا بإيجاز.. فماذا عنها بتفصيل؟

حتى بداية القرن التاسع عشر وتحديداً قبل مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر في عام 1798م كانت مصر ومعها بلدان العالم العربي، دولاً إسلامية من حيث النظم والتقاليد والشرائع، ولكن ما لبثت الأوضاع أن تبدلت على المستوى الفكري والثقافي العام وعلى المستوى السياسي بحلول الحملة الفرنسية وما تبعها من استعمار غربي وما قدماه من نماذج للفكر وللسلوك وللنظم الغربية، نتج عنها إثارة المشكلة– موضع البحث– بين أنصار الموروث وأنصار الوافد، وعبرت عن نفسها تحت مسميات عدة اختلفت باختلاف العصر، والهدف، وبتعدد الأشخاص والموضوع الذي أثيرت من خلاله.

وإذا جاز القول بأن تاريخنا الحديث، هو في حقيقته حلقات من ردود أفعال متتالية على التحدي الغربي، وذلك على جميع المستويات: سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وثقافية، فإنه لا يمكننا أن نفهم طبيعة التطور الذي طرأ على مجتمعنا على هذه المستويات إلا إذا فهمنا من جهة حقيقة التحدي الذي يجسده الغرب، ومن جهة أخرى ردود أفعالنا إزاء هذا التحدي.

وفي ضوء هذا التصور فإنه ينبغي دراسة إشكالية الوطنية من خلال ما طرحه مفكرو هذه الفترة، ويأتي في مقدمتهم رفاعة رافع الطهطاوي، والذين بتحليل أفكارهم يمكن تحديد شكل ردود الفعل تجاه الحضارة الغربية، ونوعية النموذج الإسلامي الذي قدموه في مواجهة هذه الحضارة، وبخاصة تجاه هذه الإشكالية ولقد كان الطهطاوي، ومن بعده مساهمة الثورة العرابية هي أبرز الاستجابات عن السؤال المركزي..

مساهمة رفاعة رافع الطهطاوي

لقد تناول العالم الأزهري الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1801 – 1873م) إشكالية الوطنية في المجتمع المصري بشكل مختلف نسبياً عمن تلاه، حيث يعود ذلك ضمن أسباب عديدة إلى عدم بروز التناقض بين النموذج الإسلامي، والنموذج الوطني والمستمد فيما بعد من «فكرة الوطنية» كما استقرت في الفقه الغربي حين ربط الانتماء بأرض الوطن، وليس بالعقيدة، كما كان سائداً في الفقه الإسلامي وقتذاك، نقول: هذا التناقض لم يكن بارزاً لهذا السبب وأيضاً بسبب وجود دولة إسلامية(وطنية) قوية يخشاها الغرب وقتئذٍ، دولة محمد علي، وعليه لم تكن القضية مطروحة بنفس الإلحاح الذي عاصرته إبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهو ما يتضح في فكر الطهطاوي الذي تعرض لها من خلال تأكيده أن «الوطنية» لا تتنافى مع الإطار الإسلامي ومع الفهم الصحيح للإسلام خاصة إذا كان هذا الفهم خالياً من التعصب، ومن إجبار الملوك لرعاياهم على تبديل عقائدهم الدينية – تحت دعوى التعصب للدين وذلك لأنه وفقاً لقوله: «إن الملوك إذا تعصبوا لدينهم وتداخلوا في قضايا الأديان وأرادوا قلب عقائد رعاياهم المخالفين لهم، فإنهم يحملون رعاياهم على النفاق، ويستعدون من يكرهونه على تبديل عقيدته، وينزعون الحرية عنه، فلا يوافق الباطن الظاهر، فمحض تعصب الإنسان لدينه لإضرار غيره، لا يُعد إلا مجرد حمية، وأما التشبث بحماية الدين لتكون كلمة اللـه هي العليا فهو المحبوب والمرغوب» (رفاعة رافع الطهطاوي، كتاب مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، الفصل الثالث د. محمد عمارة الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاوي، ج11 بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1972، ص: 556).

والطهطاوي في هذا يدلل على تأثره بالنموذج الغربي وإدراكه للقضية على أنها تأتي في سياق صراع بين فكرية العصور الوسطى الإسلامية والتي ترفض فكرة الوطن والوطنية كما أشيع وقتئذٍ في أوساط المغتربين وبين فكرية النموذج الغربي، ولعل هذا ما دفع بعضهم إلى أن يصفه بأنه «أحد أقطاب فكرة الوطنية وأركان النهضة العربية وإمامها في مصر» (عمر طوسون، البعثات العلمية في عهد محمد علي ثم في عهد عباس الأول وسعيد (الإسكندرية) مطبعة صلاح الدين 1934م، ص: 47)، وبأنه «كان بحق أول من مزج الثقافتين الغربية والشرقية». وعليه يعد رفاعة رافع الطهطاوي بهذا أول من اقترب بشكل واضح من إشكالية الوطنية وما ارتبط بها من قضايا مثل الدين وعلاقته بالدولة وبالمجتمع المدني وهو أول من تناول هذه الإشكالية بعد أستاذه الشيخ حسن العطار الذي نصحه بمقولته الشهيرة: «إن بلادنا لابد من أن تتغير وأن يتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها» وتمثل هذا الاقتراب من رفاعة رافع الطهطاوي في مؤلفه الشهير: «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» الذي وضعه بعد رحلته إلى فرنسا عام 1826– 1831م، وتمثل أيضاً في ترجماته الشهيرة عن التشريعات والعلوم والقوانين الغربية والفرنسية منها على وجه الخصوص بهدف تأكيد وترسيخ مفهوم الوطنية كما فهمه.

وحاول الطهطاوي في كل هذا أن يوجد تيار التوفيقية الفكرية بين النموذجين الغربي والإسلامي بشأن هذه الإشكالية «الوطنية» وغيرها من الإشكاليات، وبهذا يكون– وهو عندما يعجب بالنمط الأوروبي ويدعو إلى أن نبدأ من حيث انتهت أوروبا لا يغلف دعوته هذه أو يداريها فهو يريد «أن يوقظ سائر بلاد الإسلام من نوم الغفلة كي يبحثوا عن العلوم البرانية والفنون والصنائع وهي التي كمالها ببلاد الإفرنج ثابت شائع والحق أحق أن يتبع».

والملاحظ على الطهطاوي أن ترجمته للقوانين الأوروبية والفرنسية على وجه الخصوص لكي يرسخ مفهوم الوطنية كما فهمه في الغرب، لم يجعله يغفل عما في التراث الإسلامي من فقه في المعاملات جدير بأن «نحييه ونطوع قواعده لظروف الزمان والمكان وما حملت من تجدد في المصالح وتغيرات في العادات والأعراف» (رفاعة رافع الطهطاوي، تخليص الإبريز، المقالة الثالثة، الفصل الثالث عشر، مصدر، ص: 114).

(الوطن) في مساهمة الثورة العرابية

يرى بعض المثقفين بشأن الثورة العرابية أن «العرابيين لم يكونوا يعرفون ماذا يريدون أو على الأصح كانت ورطتهم أنهم كانوا يريدون أشياء متناقضة، كانوا من جهة يريدون (مصر للمصريين) أي يريدون القومية، ولكنهم من جهة أخرى كانوا يقبلون بالتبعية للثيوقراطية العثمانية، بعبارة أخرى كانوا في علاقاتهم بالخليفة السلطان العثماني يقبلون الخليفة ولكن يرفضون السلطان، وبالمثل فبينما نجد أنهم كانوا يطلبون الحياة الديمقراطية الدستورية فقد منعهم تكوينهم النفسي المحافظ من إدراك أن الديمقراطية والدستورية هما في الأساس منتوجات أوروبية مؤسسة على نظرية الحق الطبيعي وليس لها جذور في التراث الثيوقراطي التقليدي».

ثم يصل هذا الرأي إلى نتيجة مؤداها أنه «حتى لو انتصر العرابيون فإن حيرتهم كانت كفيلة بتبديد طاقتهم من دون جدوى بسبب عدم وضوح إدراكهم للاتجاه الصحيح، وأن مشكلتهم الحقيقية لم تكن موقفهم من الجيوش الغربية ولكن موقفهم من القيم الغربية» ( د. لويس عوض، قصة العلمانية في مصر، المصور، العدد 3076 بتاريخ 23/6/1983م،

بيد أن هذا الرأي يُساق بشأنه العديد من التحفظات أهمها إغفاله للسياق الاجتماعي والسياسي الذي قامت فيه الثورة العرابية والذي تمثل بوجود مجتمع يواجه بتحدٍ غربي على المستوى الحضاري والعسكري معاً، وبعملية تغريب من قِبَل الخديوي لمجمل المؤسسات والنظم والقيم السائدة، بالإضافة إلى هذا فإن الرأي السابق يتبنى المفهوم الأوروبي للعلمانية وللثيوقراطية ويطبقه على المجتمع المصري عام 1882م، دونما إمعان للفهم في اختلاف البيئتين حضارياً وسياسياً، والاقتصار على ظاهر الأمور، فكان منطقياً أن يصل إلى نتائجه السابقة.

ووضعنا لقضية ثيوقراطية الثورة العرابية في إطارها الصحيح وفي مواجهة الرأي السابق أيضاً يرى آخرون أن أحمد عرابي «حاول ما لم ننتبه إليه حتى الآن وهو أن يقوم بثورة وطنية في مصر وفي الوقت نفسه المحافظة على الوحدة الإسلامية سواء سميت الخلافة الإسلامية أو الجامعة الإسلامية أو الجامعة الشرقية».

إن أحمد عرابي (1841 – 1911) بهذا المعنى حاول أن يؤكد ثنائية الدور الذي قامت من أجله ثورته، فهي ثورة وطنية تسعى لتحقيق أهداف ومطالب سياسية داخلية بالأساس، وهي ثورة تهدف لتأكيد البعد الإسلامي الحضاري، يتضح ذلك ملياً في قراءة وتأمل:

(مذكرات عرابي، كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية المشهورة بالثورة العرابية في عامي 1298و1299 الهجريين وفي 1881 و1882 الميلاديين، الجزء الأول (القاهرة – دار الهلال)، وهو ما استعصى على فهم بعض ممن يخضعون تاريخهم لمناهج البحث الغربي القاصرة، ولأن موقف الثورة العرابية، أتى في إطار عمليات طرح النموذج الغربي في مواجهة النموذج الإسلامي، فلقد أحدث ردود أفعال مختلفة تراوحت بين قبوله والسير في ركابه، أو مهادنته وانتظار نتائجه أو رفضه كلية.

ولعل في موقف رجال الأزهر من الثورة العرابية ما يفيد في تقويم مساهمتها في إشكالية الوطنية تلك، وهو الموقف الذي تراوح بين فريق أول يمثله بعض مشايخ الأزهر الذين ساروا في طريق الثورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن