ثقافة وفن

البيئة الشامية في عيون صناعها.. بين السلب والإيجاب

| هلا شكنتنا

لا شك أن الإرث والحكايا الدمشقية لها وقع خاص على من يراها ويسمعها، حيث تشكل حالة خاصة من الانبهار والإعجاب عند المتلقي سواء كانت هذه الحكايات الدمشقية تظهر من خلال رسومات وأغنيات بشكل عام، أم حكايا الأعمال التلفزيونية بشكل خاص.

حيث شكلت أعمال البيئة الشامية انتشاراً واسعاً في سورية والعالم العربي والعالمي، واستطاعت هذه الأعمال أن تجذب نظر المتابع وتجعله متابعاً دائماً لها، لكونها تنقل الحكايات والمعاني الدمشقية التي تتسم بالشجاعة والشهامة والأصالة، ومن أوائل الأعمال التي حققت نجاحاً مبهراً هو عمل «أيام شامية» للمخرج الراحل «بسام الملا»، لتتوالى بعد هذا العمل سلسلة أعمال البيئة الشامية منها «الخوالي» و«ليالي الصالحية» وأشهرها سلسلة «باب الحارة» التي وحدت شعوب العالم العربي من خلال تعلقهم وانتظارهم للعمل وخاصة خلال أجزائه الأولى.

لكن على ما يبدو أن هذا النجاح الذي حققته هذه الأعمال، جعل منتجي الشركات الفنية تتجه نحو صناعة هذه الأعمال بكثرة، وخاصة أنها مطلوبة جماهيرياً في دول الخارج، ومع استمرار صناعة هذه الأعمال باتت الحكايات والقصص تتسم بنوع من التكرار والمبالغة في تصوير الحياة الدمشقية، حيث أصبح المشاهد السوري بشكل خاص يدخل في حالة من الصراع والتخبط في معرفة عمل من آخر نظراً لتكرار الحكاية، إضافة إلى تكرار الوجوه الفنية ذاتها في جميع الأعمال، والتركيز على بعض هذه الوجوه التي تؤدي أدوار البطولة في هذه الأعمال.

وفي هذا السياق فقد فاجأ الممثل السوري علاء قاسم متابعيه، ومن خلال منشور كتبه عبر صفحته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي تساءل من خلاله عن اتباع بعض كتاب أعمال «البيئة الشامية»سياسة خاصة وهي الاهتمام بشخصيتين أو ثلاث في العمل، ويتم تهميش البقية.

ومن هذا المنطلق أحبت «الوطن» أن تتواصل مع الممثل «علاء قاسم» لتتعرف على سبب اندفاعه لكتابة هذا المنشور واستغرابه من طريقة الكُتاب.

وبالتواصل مع الممثل «علاء قاسم»، فقد أوضح أن سبب اندفاعه لكتابة هذا المنشور جاء بعد قراءته لعدة نصوص، قائلاً: «منذ فترة قمت بقراءة ثلاثة نصوص لأعمال البيئة الشامية، وفي أثناء قراءتي لهذه النصوص لاحظت أن هنالك تركيزاً على شخصيتين أو ثلاث، والشخصيات المتبقية لم يبنَ دورها بشكل درامي صحيح كما تقول القواعد الدرامية، وأؤكد أن تسعين بالمئة من شخصيات العمل ليس لديها أهداف ولا طموحات ولا أحلام، إنما هي شخصيات تابعة ووجودها وعدمه لا يخلق أي فرق في العمل، وهذا ما يحصل في أعمال البيئة الشامية حيث يتم التركيز على ثلاث شخصيات فقط».

لا يمكن نسيانها

كما أضاف قاسم في حديثه حيث استشهد بمبادئ الدراما العالمية، قائلاً: «في الدراما العالمية التي تقدم أجزاء في أعمالها وعلى سبيل المثال مسلسل «صراع العروش» والذي يستشهد به الجميع، هو يتألف من ثمانية أجزاء وكل جزء ثماني حلقات، لكن عندما نشاهده لا نستطيع نسيان أي شخصية في هذا العمل ولو ظهرت في مشهد واحد، لأن كل شخصية لها دورها الصحيح ولها هدفها».

تتسم بالسطحية

وعن رأيه بالحكايات والقصص التي يتم عرضها من خلال هذه الأعمال، أكد علاء قاسم قائلاً: «حقيقة هذه الأعمال مطلوبة في السوق، والقنوات الخارجية تفضل عرضها، وجميع الأعمال التي عرضت كانت تتسم بالسطحية في التناول مثلما يقال، ولكي أكون منصفاً هنالك أعمال تصنف ضمن أعمال البيئة الشامية لكنها كانت تنويرية مثل «طالع الفضة، وحرائر» وغيرهما، وهذه الأعمال تناولت حقبة تاريخية مهمة».

هذه مهنتي

أما عن سبب مشاركته في أعمال البيئة الشامية على الرغم من انزعاجه من مبدأ هذه الأعمال، فقد أكد قاسم قائلاً: «ببساطة شديدة معظم الأعمال التي تطرح هي من هذا النوع، ونحن نختار واحداً من هذه الأعمال المطروحة علينا، وحقيقة نختار واحداً من هذه الأعمال لأنه يقع على عاتقنا مسؤوليات ومهام في الحياة يجب أن نلبيها، وفي النهاية هذه هي المهنة التي نعمل بها ونعيش من خلالها، ولكن الاختيار لا يكون عشوائياً وإنما تكون خياراتنا بدقة من حيث النص والدور والكادر الفني الذي سوف أعمل معه، حقيقة أغلب الأعمال السائدة هي أعمال بيئة شامية لذلك اختار أفضل الموجود والسائد».

آراء كتاب البيئة الشامية

وبما أن الممثل علاء قاسم وجه هذه التساؤلات لكتاب البيئة الشامية بشكل خاص، فقد تواصلت «الوطن» مع كل من الكاتبين «مروان قاووق» و«خلدون قتلان» للتعرف على إجاباتهما وآرائهما حول الموضوع الذي تحدث عنه قاسم.

البطولة الجماعية هي الأنسب

أكد الكاتب «مروان قاووق» بحديثه معنا أن كتاب البيئة الشامية لا يعملون وفق ما صرح به الممثل «علاء قاسم»، حيث أوضح قاووق قائلاً: «من الممكن أن الأدوار التي اسندت إليه لم يهتم بها الكتاب بشكل جيد وهذا سبب كلامه، وأنا شخصياً لا أكتب عملاً إلا أن يكون من بطولة جماعية، ومن الممكن أن يكون هنالك اهتمام بعض الشيء بشخصية أكثر من غيرها وذلك للضرورة، لكن بالتأكيد البطولة تكون جماعية، لكن يوجد أيضاً كتاب يهتمون بعدد محدد من الشخصيات أكثر من غيرها وذلك بسبب إيمانهم بمبدأ البطل الأوحد الذي كان يستخدم سابقاً، لكن الآن البطولة الجماعية هي السائدة حتى الأعمال المصرية باتت تتجه نحو هذه البطولات».

مشاهد تتناسب مع الأجر العالي

كما أضاف الكاتب «مروان قاووق» بحديثه قائلاً: «الإنتاج أيضاً له دور في الأعمال الدرامية العربية بشكل عام، حيث إن نجم العمل يطلب مبالغ هائلة للمشاركة في أحد الأعمال، وهذه المبالغ تقبل بها الشركات لكنها تعطي للبطل مشاهد أكثر، وذلك ليتناسب مع المبلغ الذي تقاضاه البطل، ومن هنا تظهر مشكلة الاهتمام بشخصيات معينة أكثر من غيرها، كما أن الاهتمام ببطل العمل الذي يكون نجماً لا يأتي من فراغ، لأن الشركة المنتجة تعتبر البطل هو الشخص الأساسي لتوزيع أعمالها بشكل أسرع».

تكرر ما عرض

أما عن ازدياد رغبة الشركات المنتجة بتقديم أعمال البيئة الشامية، على الرغم من تعرضها للكثير من الانتقادات، أوضح قاووق قائلاً: «الناس أذواق وهم يشاهدون ما يناسب أذواقهم، غير أن أعمال البيئة الشامية في سورية تحديداً قلت جماهريتها بعض الشيء، أما خارج سورية فمازالت هذه الأعمال مطلوبة، وهذا العام أغلب الأعمال هي بيئة شامية وتسويقها كان للخارج، والقنوات الخارجية أصبحت تنتج أعمالاً خاصة بها، وأصبحت سورية مختصة بأعمال البيئة الشامية التي تعرض على هذه القنوات، وأريد أن أوضح شيئاً هو أن نجاح مسلسل «باب الحارة» على مدى سنوات وقيام بعض الأعمال بتقليده هو سبب قلة جماهيرية أعمال البيئة الشامية في سورية».

التعميم أمر خاطئ

أما بالتواصل مع الكاتب «خلدون قتلان» فقد أكد من خلال حديثه أن التعميم على الكتاب أمر خاطئ، حيث أوضح قائلاً: «في البداية يجب أن أوضح معنى مصطلح «بيئة شامية» لوضع اليد على الخلل الذي يطرح السؤال، وهذا المصطلح يدل على تلك الأعمال التي ظهرت بعد عمل «أيام شامية» الذي كان بداية ذلك النوع من الأعمال، حيث تدور القصة ضمن حارة مغلقة تحمل تسمية ما، ومجتمع مغلق بلون واحد، ويكرس فكرة أصالة غير موجودة بهذه الصورة، وتعد هذه الموجة هي الأخطر على الجمهور لما ترسخه في المجتمع من قيم الذكورية وتهميش المرأة، وعدم تقبل الآخر، وإلغاء الاختلاف بين مكونات المجتمع السوري، وبعد موجة باب الحارة ترسخت تلك الفكرة فطفت على السطح مجموعة من ممتهني كتابة المُشاهدة وهم مجموعة يقومون على محاولة بناء نص معتمدين على مخزونهم من تراكمات المشاهدة لذلك النوع من الأعمال، لا على تكنيك كتابة السيناريو، فيغيب عن هؤلاء مفهوم بناء الشخصية، وبعد تقديم النص إلى الجهات المنتجة يعدل النص من طرف المخرج أو الطاقم الفني ويتم التركيز على الشخوص الرئيسية فتهمل باقي الشخوص وتهمش لعدم بنائها بشكل صحيح منذ البداية».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن