اقتصاد

مت قاعـداً .. هل هي كارثة أم أمر مقدر!

| د. سعـد بساطـة

يتراوح عـمر المرء المهني من 30 – 45 عاماً وفق المهنة والصحة والبلد؛ وبعـد ذلك ينتقل لاستراحة تدعـى التقاعـد (لسوء الحظ مترادفة مع كلمة سيئة الصيت: التقاعـس)!

منهم من يسبق التقاعـد فيمرض؛ ومنهم من يناضل عـبثا للعـمل والنشاط وسط أجواء – عـلى الغـالب محبطة- ؛ والبعـض يميل أوتوماتيكيا لضبط ساعـة نشاطه مع سنه وصحته وقدراته.

طبيا ؛ ثبت أن من يفاجأ بالتقاعـد – ولاسيما إذا كان عـلى رأس عـمل مهم ذي سلطة – قد يصاب بأزمة قلبية؛ ولا يغـادر عـمله فقط؛ بل الدنيا بأسرها احتجاجاً لذاك القرار الذي يعـتبره متعـسـّفاً!

دعـونا بداية نتفق أن لكل أجل نهاية؛ ويجب أن نأخذ في الاعـتبار المواليد والخريجين الجدد والوافدين لسوق العـمل؛ فيجب ردف تلك السوق بدماء شابة؛ محافظة عـلى حيويته وتنافسيته؛ وتوليداً لأفكار جديدة وحديثة!

ودعـونا نتفق أيضاً أن المتقاعـد ليس – واعـذروا كلمتي – (فردة جورب قديم) تم استهلاكه؛ بل هو مصدر ثمين للرؤى والمعـلومات والأفكار؛ بما لديه من خبرات تراكمية ثمينة.

مثال طريف(لا يمكن تعـميمه!)

أنبوب مسدود في مؤسسة ضخمة لضخ النفط؛ باءت جميع الجهود في حل مشكلته؛ بعـد تداول الفنيين؛ تم استدعاء مهندس متقاعـد من الاختصاص ذاته لسبر المشكلة وإيجاد حل؛ بدأ عـمله بهدوء؛ وجال في المشروع مع مسبار دقيق؛ بعـد ساعـات من الترقب أشار بحرف X من الطبشور إلى موقع يجب الضرب عـليه بمطرقة؛ وهكذا كان؛ وسرى السائل في الأنابيب بنجاح.

أرسل فاتورته؛ 10 آلاف $؛ فلما استغـربت الإدارة ارتفاع المبلغ – لأجل ساعـة عمل- ؛ أرسل لهم التفاصيل: 1 $ قيمة طباشير؛ 9999 $ خبرات تراكمية لأكثر من 40 عـاماً! (وهذا ما يدعـى بالمعـرفة Know How).

ولكن؛ لا ننخدع؛ فهنالك أمثلة مغايرة؛ فقد كنت في مجموعة (Panel) لاختيار إحصائي لأحد مشروعـات الأمم المتحدة؛ وجاءنا متقدّم للوظيفة متقاعـد (كان في عـمله الإحصائي السابق 40 سنة) يبدو عـليه الصحة والنشاط؛ وطفق يعـدّد أنشطته العـديدة السابقة؛ وهو الأمر الذي استحوذ عـلى انتباه اللجنة؛ فلما غـادر أخذنا نثني عـليه؛ هنا رئيسة قسم محنكة نبهتنا؛ ألا نؤخذ بالمظاهر. ليست 40 سنة خبرة؛ بل ما هي إلا أنشطة روتينية لسنة واحدة… مكررة 40 مرة!

من الإحصائيات الرقمية المالية نرى أن المتقاعـد يستهلك كماً لا يستهان به من الرواتب والأجور والإعـانات الصحية..إلخ، ولكن هذا حقه الطبيعـي؛ بعـد أن أفنى زهرة شبابه في خدمة مؤسسته؛ وعـمل عـلى تحقيق رسالتها؛ فمن الخطأ النظر باشمئزاز – كما يفعـل البعـض – لثلة المتقاعـدين بأنهم بمنزلة مجرد جهاز كهربائي قديم ؛ بطلت موضته؛ أو تعـطل؛ ويحتاج لجهود وعـناية للحفاظ عـليه؛ حتى يحين موعـد وأده!

تحيط الدول المتقدمة المتقاعـد بعـناية مميزة؛ ليس لأسباب إنسانية بحتة؛ بل لأن نسبة مهمة منهم يمكنهم الاستمرار بالعـطاء؛ فمؤسسة الجايكا العـالمية اليابانية تجمع بياناتهم؛ وتطلقهم لدول العـالم لنقل خبراتهم في مجالات عـلمية واضحة (نسيج- صباغ- جودة – تعـدين بيئة…إلخ)؛ وكان هنالك مشروع رائد في بلدنا – كان لي شرف التعـاون معـه – أثبت جدواه في المجالات المذكورة.

هنالك مقولات وردية تتحدث عـن المتقاعد؛ وتفرغـه للاستمتاع بالحياة وهواياته المختلفة؛ ولكنها مثالية؛ لا تنطبق لدينا عـلى واقع الحال.

يقول أحد المتقاعـدين مازحاً «مشكلة التقاعـد؛ أنه لا توجد فيه (إجازات)»! ومن الطرائف حول الموضوع: المتقاعـد تنتهي مشكلاته؛ وتبدأ مشكلات زوجته.. المتقاعـد لا يفكر بسن التقاعـد؛ بل براتب التقاعـد! متى تدرك أنك متقاعـد؟ عـندما يخابرك أحدهم في التاسعـة مساءً ويبدأ حديثه معـتذراً أنه أيقظك..! ويجب ألا ننسى أن أهم أسرار الشركة في أمان لدى المتقاعـد؛ فهو ليس بحالة تمكــّنه من تذكـّرها!!

ولا ننسى أن المتقاعـد سيعـاني متاعـب مالية بعـد تقلـّص دخله ونفوذه؛ وارتفاع متطلباته الصحية؛ ولكن معـاناته الأكبر؛ ستكون اجتماعـية؛ ولاسيما إذا كان المجتمع لا يحترم هذه الشريحة؛ ويعـتبرها مجرد «ربطة عـنق بالية ولـّت موضتها».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن