قضايا وآراء

ماذا لو اتحد العرب؟

| د. خلف المفتاح

يبقى هدف الوحدة العربية هدفاً وحلماً مشروعاً لجهة أنه يشكل حلاً جذرياً لما تواجهه الأمة العربية من تحديات وجودية وحاجة وضرورة لتنمية عربية حقيقية تنعكس على مجمل أبناء الأمة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ومعاشياً وحالة رفاه، ناهيك عن أن تحقيق مثل ذلك الهدف الحلم، يحقق للأمة العربية مكانة وحضوراً في المشهد الدولي هي جديرة تاريخياً وحضارياً باستحقاقه.

إن تحقيق الوحدة العربية أو أي شكل من أشكالها وضمن أي إطار جغرافي، كبلاد الشام والعراق أو بلاد النيل أو المغرب العربي أو إطار يجمع دول الخليج العربية، كمنطلق لتحقيق الهدف النهائي، هو خطوة صحيحة حتى لو كانت محدودة، لأن ذلك إن تحقق فسيكسبها دينامية داخلية وجاذبية نموذج يدفع نحو توسيع المجال، وثمة تجارب عديدة في هذا الإطار سارت عليها دول وشعوب في غير منطقة من مناطق العالم، وتكللت بنجاح ونتائج إيجابية انعكست على مجمل أوضاع تلك الدول سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وحضوراً في الساحة الدولية.

إن لغة الأرقام تشير إلى أن الدول العربية لو اجتمعت أو تكتلت تحت أي عنوان أو صيغة فهذا يعني تشكيل كيان جغرافي مساحته نحو أربعة عشر مليون كيلو متر مربع، بحيث يحتل المرتبة الثانية بالعالم بعد اتحاد روسيا، في حين سيبلغ عدد السكان نحو 400 مليون نسمة أي الترتيب الثالث بعد الصين الشعبية والهند، وسيكون إنتاج هذا الكيان الوليد من النفط مساوياً لحوالي 24 مليون برميل يومياً أي نحو ثلث إنتاج العالم، وسيكون الناتج القومي مساوياً لحوالي 6 تريليونات دولار أي ثالث اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة الأميركية والصين الشعبية، أما من الناحية العسكرية فسيتشكل جيش عربي قوامه خمسة ملايين مقاتل مزود بأفضل الأسلحة التي يمكن أن تكون صناعة عربية تضمن الأمن القومي العربي، وسيكون إنتاج ذلك الكيان من القمح ما يعادل 700 مليون طن ومئات الملايين من المواشي وغيرها، ناهيك عن إنتاج أكبر كميات من الغاز المسال في العالم، أما على صعيد الأمن المائي فستكون ثلاثة من أكبر أنهار العالم تمر ضمن دوله ناهيك عن مئات الأنهار الداخلية والبحيرات الكبرى.

لاشك أن الموقع الجغرافي وأهميته لا تخفى على أحد، حيث قناة السويس ومضيق باب المندب وهرمز وجبل طارق، ناهيك عن أن الوطن العربي يشكل حلقة وصل ببن قارات العالم القديم والجديد، ولا يغيب عن البال المكانة الروحية للمنطقة العربية والرسالات السماوية الثلاث التي ولدت فيها، فالمنطقة العربية ليست خزاناً بترولياً فقط وإنما خزان روحي وحضاري أيضاً.

إن وحدة عربية أو اتحاداً عربياً لن يكون تجميع طاقات بضم بعضها إلى الآخر بعملية حسابية وإنما حالة نوعية جديدة ستشكل خريطة جيوإستراتيجية وجيو بولوتيكية غير مسبوقة تستدعي بالضرورة رسم خرائط عالمية جديدة في إطار ميزان القوى الدولية تعيد الاعتبار موضوعياً لأبناء هذه الأمة العريقة التي تعيش حالة استهداف غير مسبوقة تريد إخراجها من التاريخ وتجعلها من منسياته إن لم نقل أثراً بعد عين.

إلى جانب ذلك ستشهد الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمؤشرات التعليمية والصحة والخدمات العامة والتنمية البشرية عموماً تنامياً غير مسبوق سينعكس على المستوى المعيشي للسكان وثقافتهم ووعيهم.

قد يرى البعض أن ما جرت الإشارة إليه يدخل في دائرة الأحلام الرغبوية ولكنه في أحلام الواقع، لأن الأهداف الكبرى تكون نقطة تشكلها الأولى أحلاماً تتحول بالإصرار والعمل والإرادة السياسية والنضال والتضحية والإيمان إلى كائنات حية وإنجازات يفتخر ويعتز بها الآباء والأبناء وهذه من دروس التاريخ التي تعج بها كل ذاكرة حية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن