من دفتر الوطن

صناعة الفساد

| عبد الفتاح العوض

بكثير من المباشرة، إنَّ تجاهل موضوع الرواتب والأجور وعدم تناسبها مع الإنفاق هو صناعة فساد.

الذي حدث أن تدني الرواتب جعل فئة الموظفين يملكون «شرعية اجتماعية» للفساد… فكل الفئات الأخرى وجدت طريقة ما لتعادل أجور خدماتها مع مستوى إنفاقها من عامل الصحية ومصلح الكهربائيات إلى طبيب الأسنان.

فقط الموظف لديه معاناة مع الدخل ورغم الجهود التي تبذل وصعوبة تأمين كتلة الرواتب إلا أن الجميع يدرك أن راتب حتى الوزير لا يكفيه.

في حالة موظفي شبه الدخل ما الذي يمكن أن يفعلوه.. ببساطة يتم بطريقة أو بأخرى صناعة بيئة تشجع على الفساد.. بيئة تجعل من الفساد أمراً لا بد منه.

كيف يمكن أن نكافح الفساد برواتب غير كافية حتى لأجور النقل من العمل وإليه؟

المسألة لها علاقة بثقافة العمل الوظيفي الذي اعتمد عليها السوريون خلال عقود من الزمن.. فإضافة إلى اعتبار الوظيفة العامة حقاً مشروعاً فهي أيضاً تشكل نوعاً من الضمانة لعاديات الزمن ولم يتم تنمية ثقافة المشاريع الخاصة مع العلم أن السنوات الأخيرة وبسبب ظروف الحرب على سورية أصبح من الصعب البدء بمشاريع خاصة ومع زيادة التكاليف أصبح من غير المتاح العمل الخاص إلا لمن يملكون رأس مال كبيراً وهم في المجتمع السوري قلة.

كل ما قلته هو مقدمة لإعادة اقتراح سابق يقوم على الدعوة لإصدار قرار يسمح بالتقاعد المبكر ومؤداه أن يمنح الموظفون الذين قضوا 20 عاماً في العمل الحكومي حق التقاعد المبكر على أن يكون ذلك مقدمة للبدء بمشاريع صغيرة بقروض ميسرة بضمانة رواتبهم التقاعدية ومشاريعهم الصغيرة كما يمكن تشجيع إقامة مشاريع متوسطة بشراكات بين الحاصلين على ميزة التقاعد المبكر.

لا يمكن الحديث الآن عن تحسين الرواتب بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وعلينا أن ندرك صعوبة حل المعضلة ما يستوجب البحث عن مخارج أخرى من أهمها أن نشجع على الإنتاج من خلال الأعمال الخاصة.

طبعاً ليس من السهل حتى الآن إقامة مشاريع خاصة، فلا معرفة اقتصادية كافية، كما لا نملك فرص تسويق كافية بسبب ضعف القدرة الشرائية، إضافة إلى صعوبات أخرى يدركها أولئك الذين تحلوا بالجرأة لإقامة مشاريعهم الخاصة. لكن كل هذا يصبح أسهل بالعمل على نشر الوعي الاقتصادي والتخلص من ثقافة الوظيفة العامة التي فقدت بريقها لولا الفساد المتوافر في بعض قطاعاتها.

أخيراً… ليس من السهل طرح حلول شافية لقضية معقدة لكن بقاء الحال على ما هو عليه ليس حلاً، وتجاهل الفجوة بين الرواتب وحاجات الأسرة السورية هو هرمون نمو للفساد.. فلا يصح أن نقول إننا نكافح الفساد نظرياً في الوقت الذي نشجع عليه عملياً.

أقوال:

– يسيطر على المتقاعد سؤال واحد فقط هو: كيف تمضي الحياة بعد التقاعد؟

– التقاعد هو الفرصة الحقيقية لإصلاح ما أفسده العمل.

– إن في إمكان عقلك أن يدهش جسمك إذا استطعت أن تقول لنفسك: يمكنني تحقيق ذلك.. يمكنني عمل ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن