قضايا وآراء

الصراع الأوكراني ما بين خطابي 24 شباط و20 أيلول

| عبد المنعم علي عيسى

رسم الخطاب الذي ألقاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم 21 شباط المنصرم معالم «العملية العسكرية الخاصة» التي ستطلقها موسكو في أوكرانيا بعد ثلاثة أيام من ذلك التاريخ، وفي حينها كانت هناك جملة من المعطيات والوقائع التي قادت نحو ذلك الرسم الذي جاء نتيجة لقراءة ميزان القوى القائم، ثم نتيجة لقراءة التحولات التي ستجري على هذا الأخير في ضوء المواقف التي سيتخذها الغرب من «عمليته الخاصة» التي سيطلقها في أوكرانيا بدافع تعزيز أمن بلاده وإرساء دور جديد يتناسب مع قدراتها على مختلف الأصعدة.

كانت القراءة سابقة الذكر تأخذ بعين الاعتبار «اللحظة السياسية» الراهنة مفسحة في الآن ذاته الطريق أمام أخرى تستولدها المديات التي يمكن أن يذهب الغرب إليها إبان محاولاته كبح الجماح الروسي، والتي كان من المتوقع لها أن تصل إلى الحدود التي وصلت إليها في خاركيف مؤخراً عبر الزج بأسلحة متطورة قد تكون من النوع الكاسر للتوازن، الأمر الذي قاد، منذ 9 أيلول فصاعدا، نحو حدوث تحولات في مسرح المعارك التي كانت تدور حول هذه الأخيرة، والتي مهما قيل فيها فإنها كانت تشير إلى إمكان حدوث تغير جذري في ذلك المسرح، بل وتنبئ، فيما لو تطورت، أن تكون لها تداعيات غير محمودة العواقب على الداخل الروسي، لكن «معركة الغاز»، البادئة منذ شهر نيسان بطريقة أقرب إلى «الكي على مراحل»، كان أوارها يشتد، عندما يصل هذا الأخير إلى مرحلة ملامسة الجسد، لتتردد «آلامه» على امتداد القارة العجوز التي باتت لا تخشى فقط أمنها «الطاقي» بل تخشى أن تفضي تلك المعركة إلى حدوث انزياحات في مجتمعاتها من النوع الخطر الذي قد يؤدي إلى إسقاط حكوماتها ودخول بلدانها حالة من عدم الاستقرار قد تطول وتطول، الأمر الذي دعا الغرب للتفكير بأن رسائل بوتين الموجهة إلى خصومه في الغرب تتمحور بالدرجة الأولى حول رهانات من نوع هذه الأخيرة.

لوهلة بدا للغرب أن بوتين يختط مساره نحو تحقيق مراميه غير المعلنة بعيداً عن مسرح العمليات الأوكراني، من دون أن يعني ذلك هامشية هذا الأخير، الأمر الذي دفع بالأول، أي الغرب، نحو الضغط على ذلك المسرح كفعل يمكن أن يؤدي من حيث النتيجة إلى أحد مسارين، أولهما أن ترتجف الأعصاب الروسية على وقع التعثر الحاصل في المسرح وهذا سيقود إلى إعلان موسكو عن قبولها العودة إلى طاولة التفاوض، الأمر الذي، فيما لو حصل في ظل وضع كهذا، فإن النتائج التي ستفضي إليها هذه الأخيرة سوف تكون لها آثار كارثية على الداخل الروسي الذي سيجد نفسه أمام «هزيمة» شبيهة بتلك الحاصلة أواخر عام 1988 في أفغانستان، وثانيهما أن تندفع موسكو لرفع وتيرة العمليات العسكرية عبر الزج بقدرات أكبر، وعندها يعمد الغرب إلى إسناد كييف بأسلحة نوعية قادرة على فرض «ستاتيكو» عسكري يدخل العملية العسكرية في مد وجزر يؤمن حالاً من الاستنزاف طويل الأمد.

ما بعد خطاب الرئيس الروسي في 20 أيلول الذي أعقب التطورات الحاصلة على جبهة خاركيف، والذي جاء بعد نحو أربعة أيام على عودة بوتين من سمرقند التي احتضنت اجتماعاً لـ«منظمة شنغهاي» وللتوقيت أهميته هنا انطلاقاً من المعطيين السابقين، اتضحت مرامي هذا الأخير التي يريد الذهاب إليها، فـ«التعبئة الجزئية» التي أعلنها بدءاً من اليوم التالي لذلك الخطاب، أراد من خلالها القول أن لا سبيل للخسارة التي يريد الغرب إلحاقها ببلاده، وأن رمي الغرب لقفاز التحدي في خاركيف سيلقى نظيراً روسياً له بالتأكيد، أما إعلان الاستفتاء في خاركيف ودنبربتروفيسك ونيكولاي وأوديسا، فهو يعني أن بوتين يريد العودة إلى «روسيا التاريخية» بحدودها التي كانت قائمة العام 1765، لاغيا فعل الضم الذي أجراه الرئيس السوفيتي نيكيتا خروتشوف لتلك الأقاليم حينما أعلن عن إلحاقها بأوكرانيا منتصف الخمسينيات من القرن الماضي.

جاءت ردود الغرب التصعيدية على خطاب بوتين حاملة بين ثناياها قراراً بزيادة الدعم المقدم لكييف بدرجة أكبر، ثم حاملة معها أيضاً نوعاً من «سجال نووي» سوغته دوائر الغرب بأن بوتين هو ما استحضره عبر استخدام مصطلح «استخدام كل الوسائل الممكنة» لحماية الأراضي الروسية من أي تهديد، وعلى الرغم من أن المصطلح السابق يحمل «نكهة» توحي بما ذهب إليه الغرب، لكن مجرد طرح السجال بهذا الشكل فعل يحمل بين طياته تهيئة لرأي عام غربي ودولي، يرمي إلى تسويغ اتخاذ خطوات تصعيدية كبرى، وخصوصاً أن وسائل إعلام الغرب، القريبة من دوائر صنع القرار فيه، راحت تذكر بالعقيدة النووية التي يعتمدها الروس، وتركز فيها على بند يشير إلى أنها تتيح «استخدام سلاح نووي خفيف للتفوق» وفي الغضون قام معهد «استوكهولم لبحوث السلام» بالتذكير أيضاً بأن موسكو تمتلك 4500 رأس نووي إستراتيجي، وتمتلك أيضاً المئات من الرؤوس النووية التكتيكية التي تقل قوتها عن «قنبلة هيروشيما» والتي يمكن استخدامها تكتيكياً لإحداث تحول في الصراع الأوكراني، أو كرسالة لا لبس فيها لمن تراوده الظنون في الغرب، وفقاً للتقرير الذي نشره المعهد قبل أيام.

لم تسجل قمة «سمرقند» انسجاماً تاماً بين أقطابها الروسي والصيني والهندي، ولربما كان التباين يقوم على الســبل المتوخاة لتحقيق الأهداف لا على هــذه الأخيرة، لكن اختــلاف النظرة إلى السبل الكفيلة بتحقيق الأهداف لا يشكل افتراقات كبرى من النوع الذي يمكن للغــرب أن يعــول عليه، وبشكل ما يمكن القول إن موسكو أرادت السير قدما في «مشروعها الأوكراني» للقول إن الطريق الأنجع للوصول إلى تلك المرامــي هــو مراكمــة القــوة واســتخدامها إن اقتضــت الضرورة جنبا إلى جنب وإنشاء التكتــلات الاقتصاديــة التــي غالبــاً ما تحتاج إلى إســناد مـــن الأولى.

بشكل ما كان يمكن القول إن خطاب بوتين في 20 أيلول يحمل معه قراراً روسياً بمغادرة «مبدأ بريماكوف»، الذي أطلقه وزير الخارجية الروسي يفغيني بريماكوف عام 1996، والذي دعا من خلاله إلى إنشاء نظام عالمي جديد يقوم على التعددية القطبية التوافقية، والذي ظلت موسكو تتبناه حتى بعد قصف الولايات المتحدة والغرب، ليوغسلافيا عام 1999، وكان يفترض أن يدخله مرحلة «الموت السريري»، والفعل، أي التبني لتلك الدعوة، جهد نحو إنشاء تكتلات وازنة في «شنغهاي» و«بريكس» يكون من شأنها فرض حقائق جديدة تقود نحو ما يرمي إليه المبدأ آنف الذكر، لكن الفعل تبين أنه يحتاج إلى إرساء عوامل أخرى إذا ما أريد له أن يكون مكتملاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن