قضايا وآراء

استدارة خليجية نحو الشرق

| رزوق الغاوي

ثمة توجهٌ خليجيٌ نوعيٌ موضوعيٌ، يعتبر الأول من نوعه في تاريخ العلاقات الخليجية الخارجية الحديث، يتمثل بتوجه عدد من البلدان الخليجية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية وسلطنة عُمان باتجاه عدم الاكتفاء بحصر علاقاتها الخارجية مع الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الغربية، والتغريد نسبياً خارج السرب الأميركي الغربي، وفق ما يتفق مع مواقفها كدولٍ مستقلة، والوقوف بحدودٍ معينة على مسافة واحدة من مختلف الدول الكبرى الأخرى، والذهاب باتجاه تطوير علاقاتها مع تلك الدول وتحديداً مع روسيا الاتحادية.

هذا التوجه الخليجي لقي ترحيباً من موسكو، من شأنه تعزيز علاقات التعاون بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي، وتطوير الحوار السياسي وتبادل وجهات النظر حول القضايا المطروحة على الساحتين الإقليمية والدولية وتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية، والعمل على وضع الاتفاقيات الموقعة بينهما في أوقاتٍ سابقة موضع التنفيذ الفعلي، وإقامة بِنيَةٍ مستدامة للعلاقات الدولية في المنطقة العربية والإقليم تحقق المصالح المشتركة للجانبين.

خلفية هذا التوجه الخليجي غير المسبوق تستند إلى جملة مواقف منطقية انطلقت منها البلدان الثلاثة لإقامة حوار عقلاني جدي وشامل مع الجانب الروسي حول مختلف الشؤون السياسية والاقتصادية التي تحظى باهتماماتٍ مشتركة، وحول القضايا الإقليمية والدولية الشائكة التي يعيشها العالم الآن، على ضوء سعي الولايات المتحدة الأميركية الحثيث للمضي في فرض هيمنتها معتبرةً نفسها أنها لا تزال القطب الأحادي على العديد من مناطق العالم وخاصة على منطقة الخليج، حيث تواصل على الرغم من افتقادها مصداقيتها كلاعبٍ دوليٍ موثوق به، الضغط على دول الخليج بغية منعهم من انتهاج سياسة متعددة الاتجاهات والمواقف، وهو أمرٌ من شأنه أن يُشكل تهديداً مباشراً لمصالح دول المنطقة العربية جمعاء.

فعلى غرار مصادرتها في وقت سابق نحو ثلاثمئة مليار دولار من روسيا، تحاول واشنطن الآن فعل الشيء نفسه مع دول الخليج، ما لم تتفق سياسة هذه الدول مع السياسة العامة الأميركية، ما يستدعي من تلك الدول التحرر من تبعيتها للولايات المتحدة والغرب عموماً، والذهاب باتجاه التعاون مع المجموعات الدولية المناهضة للسياسة الأميركية مثل مجموعة البريكس المتنامية، ومنظمة شنغهاي للتعاون الدولي التي باتت تشكل نصف العالم، والأخذ بالاعتبار ما عانته المنطقة العربية من عبث السياسات الأميركية والغربية الأطلسية، وخاصة أن دوائر سياسية خليجية باتت مرتاحة للمواقف الروسية ورأت فيها مضامين مُطَمئِنَة بعيدة عن السياسة الأميركية القائمة على المراوغة وازدواجية المعايير والطعن في الظهر، وتهديد أصدقائها بالويل والثبور وعظائم الأمور إن اتخذ أحدهم موقفاً مخالفاً أو منتقداً لما يراه «السيد الأميركي»، وفي السياق، أثارت مواقف الدول الخليجية من العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا حفيظة واشنطن والغرب الأطلسي، وخاصة بعد امتناع دولة الإمارات مرتين عن التصويت على مشروع قرار أميركي يدين روسيا في مجلس الأمن، ورفض السعودية طلب الإدارة الأميركية زيادة إنتاج النفط للحد من ارتفاع سعره مع حياد باقي دول الخليج العربية، ما اعتُبِرَ تغيراً نوعياً في مواقف هذه الدول وخروجاً صريحاً عن الإرادة الأميركية التي عبثت بأمن المنطقة العربية واستقرارها، وقد تجلى ذلك في برنامج الرياض الرئيسي المتضمن خفض اعتماد السعودية على الولايات المتحدة الأميركية في حماية أمنها مع الحفاظ على موقفها كدولة مؤثرة في محيطها العربي بعيداً عن سلطة المواقف الأميركية المعروفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن