ثقافة وفن

أعمال «النسخ واللصق» تغزو الشاشات والمنصات العربية … خلدون قتلان لـ«الوطن»: هي مجرد تجربة في زمن ضياع الهوية الفنية العربية

| مايا سلامي

لطالما كان الفن بمجالاته المختلفة ومن بينها الدراما والسينما بشكل خاص صورة متكاملة تعكس واقع مجتمعاتها وأنماطهم الحياتية لتكون نافذة تطل منها بقية الشعوب لتعرف ثقافة الآخر وتنهل منها من دون أن تطمس هويتها وبصمتها الخاصة التي نكاد نفتقدها في الأعمال الدرامية المحلية والعربية مؤخراً.

فخلال الأعوام الماضية انتشرت بكثرة ظاهرة اقتباس الأعمال العربية عن الدراما والسينما الأجنبية حيث باتت تلقى رواجاً وإقبالاً واسعاً من شركات الإنتاج التي وجدت فيها تجارة جديدة تدر عليها الأرباح ومضت إلى شراء حقوق المحتوى الدرامي لإعادة صياغتها عربياً، فانخرطت الدراما السورية- اللبنانية المشتركة مبكراً في هذه الموجة من خلال مسلسل «لو» المقتبس عن الفيلم الأميركي «un faithful»، ومن ثم مسلسل «تشيللو» المأخوذ عن فيلم «Indecent proposal»، حيث قام صناع هذه الأعمال باقتباس الفكرة الرئيسية للفيلم أو المسلسل مع إضافة خيوط درامية أخرى لمعالجة السياق وجعله مناسباً للواقع العربي من دون المساس بالخطوط الأساسية للعمل.

وعلى الرغم من عدم حداثة عهد هذه الظاهرة إلا أنها بدأت اليوم تأخذ منحى جديداً أكثر خطورة يهدد كينونة وهوية أعمالنا، فتحولت إلى استنساخ عربي كامل للأعمال الأجنبية بكل تفصيلاتها وحواراتها الغريبة تماماً عن عادات وتقاليد المشاهد العربي، إضافة إلى إسفافها في مشاهد الاستعراض والبذخ الخيالية، الأمر الذي جعلها عرضة للكثير من الانتقادات كما هو الحال مع فيلم «أصحاب ولا أعز» المأخوذ عن الفيلم الإيطالي «Perfect strangers» ومسلسل عروس بيروت المقتبس عن المسلسل التركي عروس اسطنبول، ومؤخراً مسلسل «ستيلتو» النسخة العربية من المسلس التركي «Petty crimes».

مجرد تجربة

وفي تعليقه على هذا الموضوع قال الكاتب خلدون قتلان لـ«الوطن»: «إن شراء حقوق ملكية مسلسل أجنبي وتنفيذه عربياً هي ظاهرة تستدعي المراقبة لنشاهد نتائجها، وعلى ما يبدو أنها غير مرضى عنها لدى الجماهير المحلية، لأن صناع الدراما يأخذون تلك الأعمال كما هي «نسخ ولصق» دون إجراء أي تعديلات لتناسب مجتمعاتنا».

وأضاف: «في الحقيقة لا يمكن اعتبار هذه الظاهرة محاولة لإنعاش الدراما العربية أو حتى القضاء عليها فهي مجرد تجربة في زمن ضياع الهوية الفنية العربية حيث تكثر التجارب».

وأكد أن سبب لجوء صناع الدراما العربية إلى اقتباس أعمالهم من أعمال أخرى هو مجرد استسهال وبناء نجاح على نجاح آخر ونقل تجربة العمل الأصلي، منوهاً إلى أن بعض الأعمال حققت النجاح وبعضها الآخر لم يحققه.

وعن رأيه في دور المنصات بتعزيز هذه الظاهرة، قال: «أعتقد أن المنصات شيء استهلاكي تحكمه المادة وهي لا تحمل أي هوية أو قيمة لذلك لا تبقى أعمالها في ذاكرة المشاهد، ولها دور كبير في نشر الشيء الإيجابي والسلبي على حدٍ سواء».

وبين قبلان أن هذه الأعمال فرغت الفنان الحقيقي من جانب كبير من الإبداع وجردته من أسلحته وأدواته وجعلته نسخة طبق الأصل عما يريده المنتج. مشيراً إلى أنها ساهمت بشكل كبير في شعور المشاهد العربي بالاغتراب عن قضاياه وجوهره ومكنوناته.

ظاهرة خطيرة

كما بين الناقد عماد نداف لـ«الوطن» أن الحديث عن هذا الموضوع يفتح على ظاهرة الدبلجة في صناعة الدراما، وقد قامت أصلاً على سد النقص في الإنتاج الدرامي لكنها غدت ظاهرة خطيرة عليه وعلى المحتوى المطلوب من الدراما، وعلى ذلك وجدت نفسها تلك الظاهرة أمام خطوة جديدة هي إعادة إنتاج نسخة عربية من العمل الناطق بلغات أخرى.

ورأى أن هذه الظاهرة تستدعي المزيد من القيود وخاصة أن المشاهد يمكن أن يكون قد شاهد النسخة الأصلية وعندها لن يكون أمام عمل أقوى أو وجهة نظر أخرى من الموضوع نفسه وخاصة أن التنفيذ العربي يكون نسخة طبق الأصل حتى في الملصق الإعلاني.

وأكد أن هذه الظاهرة لم تستطع إنعاش الدراما المحلية والعربية بل أساءت إليها وجعلتها في منافسة غير موضوعية وفاشلة أحياناً، منوهاً إلى المنافسة في المحتوى (التافه) لكثير من الأعمال، أما عن الأعمال الجيدة فهي قليلة ولا نجد عروضاً تسد حاجة المشاهد وتمحو إثر تلك التي تؤذي ذائقته البصرية والروحية والاجتماعية».

وعن أسباب لجوء صناع الدراما العربية إلى اقتباس أعمالهم من أعمال أخرى، أوضح أنه هناك عدة أسباب أولها السوق، فسوق الدراما بشكل عام حرك رؤوس أموال كثيرة، والإنتاج يريد إعادة تدوير رأس المال، وثانيها الحاجة إلى إنتاج كبير يغطي مساحة البث مع تعدد القنوات وانتشار البث على مدار الساعات الأربع والعشرين. أما الثالث فهو مهم وخطير معاً، حيث أدرجت الدراما ضمن أسلحة الترويج السياسي والفكري المتبعة في العالم ومن بينها الإساءة إلى تقاليد الشعوب والاستهتار بقضايا ونشر العنف والطائفية، وفي الأعمال الغربية المنفذة عربياً الكثير مما يقوم بهذه المهمة.

وحول ما إذا كانت هذه الأعمال قد أقحمت الفنانين في الدراما الاستهلاكية بعيداً عن إبداعهم الفني، قال: «سوق الإنتاج يعني سوق العمل وفرص العمل بالنسبة للفنانين، وقد لاحظت أن فنانين كباراً اضطروا إلى العمل في هذا النوع من الدراما الغربية المنقولة إلى العربية من أجل تحقيق موارد إضافية، وربما من أجل تحقيق شهرة، أي إنهم يؤدون أدواراً بعيدة عن المحتوى المتعلق بالبيئة العربية.

وأضاف: «نحن أمام إنتاج درامي لا يسد حاجة الإنسان والمشاهد العربي، وفي الوقت نفسه أمام سيل أو ربما غزو يقتحم بيته وأفكاره وقيمه وقضاياه عبر هذا النوع من الإنتاج، وهنا تنشأ المعضلة مع الإنتاج المحلي، فهل عليه أن يواكب السوق ويقدم سلعا رائجة، أم يشتغل على رؤية منهجية وخطة وطنية فنية أخلاقية تناسب المجتمع الذي ينتمي إليه؟!

وتابع:«لذلك وجدنا الإنتاج المحلي أمام احتمالية: إما الوقوع في المطب والدخول في طبيعة السوق والعرض والطلب وإما يكون محاصراً أو ضعيفاً في المنافسة، ولذلك الدراما صناعة وطنية تحتاج إلى دعم كبير ومحطات فضائية وطنية تلبي الحاجة».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن