من دفتر الوطن

المبدعون يموتون مبتسمين

| حسن م. يوسف

رحم الله رياض الصالح الحسين، العمر لك…

لست أذكر من هو الشخص الذي شد على يدي معزياً وأنا أجتاز حديقة عرنوس عشية الحادي والعشرين من تشرين الثاني عام 1982. ما أذكره بوضوح هو أنني عندما تحررت من جمود الصدمة، كنت وحدي، وفي حالة من عدم اليقين. توجهت إلى بيت صديقي المرحوم بندر عبد الحميد فوجدت عدداً من أصدقائنا المشتركين وقد اعتراهم الوجوم، سألتهم: أين هو رياض الآن؟ أجابني بندر: في براد مشفى المواساة. لحظتها شعرت بأنفاس الموت الباردة تلفح وجهي.

صباح اليوم التالي اجتمعنا أمام باب براد مشفى المواساة، مجموعة صغيرة من الشعراء وكتّاب القصة القصيرة والصحفيين، كان رياض في تلك الفترة يعمل في مكتب تابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، لذا وجدنا سيارة إسعاف من الهلال الأحمر الفلسطيني جاهزة لنقله إلى قريته مارع في ريف حلب.

ذهلنا عندما سألنا المسؤول عن البراد: أين التابوت؟ وعندما رأى مدى دهشتنا قال: أعيركم تابوتاً شريطة أن تدفعوا لي تأميناً عليه قدره مئتا ليرة. لم يكن مع أي منا ذلك المبلغ كاملاً، لذا قدمت له هويتي الشخصية كضمانة.

قال المسؤول عن البراد: أريد اثنين من ذوي القلوب القوية كي يدخلا معي. ونظراً لأنه سبق لي أن نمت في الغابة تسع عشرة ليلة، سنة البكالوريا، فقد تطوعت، وليتني لم أفعل.

كان رياض ممدداً في حوض استحمام عارياً كما أنجبته أمه، وكان منتفخاً وفارداً يداه كرائد فضاء، صدمني ملمس لحمه البارد اللزج، أما صورته على تلك الحالة فقد اغتالت كل ذكرياتي معه، بالمعنى الدقيق للكلمة، إذ فرضت نفسها، ولا تزال، كفلتر أرى من خلاله حتى أبهى ذكرياتي المشتركة معه.

بسبب تلك الصورة القاتلة، قررت ألا أرى جثمان صديقي فواز الساجر، أبهى أبناء جيلنا، عندما غادرنا في 16 أيار 1988، كما رفضت رؤية جثمان سعيد مراد عندما غادرنا بعده ببضعة أشهر ولم أر سعيد حورانية ولا سعد الله ونوس ولا وليد معماري… ولا قمر الزمان علوش ولا أبي ولا أمي ولا أياً من إخوتي الذين انتقلوا إلى دار الحق، ولهذا أستطيع أن أراهم، بعين خيالي، كما عهدتهم، أحياء. صحيح أن سعد الله ونوس توفي في 15 أيار 1997، لكنني ما زلت أجالسه حتى الآن وأستشيره في مختلف القضايا الشائكة التي تواجهني، وما أكثرها. المشكلة الوحيدة في حوارات ما بعد الموت هذه هي أن مستواها يتحدد وفق القدرات العقلية للطرف المتبقي.

يقول الفيلسوف المتصوف الحسن البصري: «ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه إلا الموت». ويقول أيضاً: «الدنيا دار غموم فمن عُوجِلَ فُجِعَ بنفسه، ومن أُجِّلَ فُجِعَ بأحبابه». وقد فجعت في هذا الأسبوع بواحد من أعز أحبابي الصديق الروائي والسيناريست والإعلامي قمر الزمان علوش.

قبل سنوات قرأت مثلاً بولونياً استوقفني طويلاً: «من أبدع في حياته يموت مبتسماً»، لست أدري كيف كان حال قمر الزمان علوش عندما غادرنا يوم الإثنين الماضي، لكنه يحق له أن يبقى مبتسماً، رغم أنف الموت، لأنه أبدع العديد من الأعمال الرائعة في مجال الرواية والسينما والتلفزيون والإعلام. وستتناسخ ابتسامة قمرنا على وجوهنا ووجوه الناس جميعاً إذا ما أعدنا طباعة رواياته وعرضنا أفلامه ومسلسلاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن