من دفتر الوطن

مضاد للتفكير!

| عصام داري

يعجبني الفيسبوك عندما يسألني: بم تفكر؟

صحيح، بماذا أفكر في هذه اللحظة، وهل أنا كائن مفكر أصلاً؟!

سأترك الإجابة إلى ختام هذه الزاوية، لأنني سأتحدث عن أسئلة أخرى عادية في الأحوال العادية، لكنها عجيبة في أحوالنا غير العادية طبعاً!

مثلاً قرأت منذ يومين سؤالاً يقول: ما آخر شيء اشتريته، وما سعره؟! فعلاً سؤال وجيه ومهم للغاية، كأنك تسأل متى ستحل أزمة الشرق الأوسط، أو متى تنتهي العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا؟!

ومع ذلك سأحاول أن أجيب عن هذا السؤال الخطير.

اشتريت لتر زيت زيتون نوع وسط بسعر 24 ألف ليرة سورية لا غير، بعد أن كان سعره منذ أيام قليلة 19 ألف ليرة، ويبدو أن ارتفاع السعر سببه أن موسم الزيتون كان جيداً جداً، وهذا ما دفع الحكومة لاتخاذ قرار بتصدير الزيت، وعلى الشعب أن يأكل طعامه بلا لحم ولا زيت زيتون أو زيت نباتي الذي سار جنباً إلى جنب مع شقيقه زيت الزيتون وقفز قفزة صغيرة نحو الأعلى.

واشتريت باقة كزبرة وأخرى بقدونس وثالثة نعنع، وباقتي فجل بسعر إجمالي 1500 ليرة وبالسعر نفسه اشتريت ربطة خبز كفاف يومنا، وهكذا، ولن أطيل لأن من ينزل الأسواق يصاب بالجلطات القلبية والدماغية والله يتلطف بعباده الصابرين والمصبرين!.

هل نحسب قيمة المشتريات في يوم واحد، والتي لم تتضمن اللحوم بأنواعها كافة، وهي على كل حال في حالة خصام مع السوريين إلا ندرة منهم، ولم نتحدث عن الطبابة والأدوية والمحروقات التي تحرق البدن وتبخر الراتب، وطبعاً ممنوع الكلام عن الملابس وعليكم تدوير الملابس القديمة كما كانت تفعل الأمهات والجدات!.

لو أجرينا جردة حساب لحاجة المواطن السوري العادي من طعام وشراب وحددنا (الكالوريز) التي يحتاجها في اليوم وضربنا الناتج بثلاثين «عدد أيام الشهر» وقسمنا الراتب على الناتج فماذا ستكون النتيجة النهائية؟

هل يكفي راتب موظف درجة أولى لتأمين الحريرات التي تحسبها الحكومة بعناية حرصاً على صحة المواطن، إذا أخذنا في الاعتبار أن متوسط راتب الموظف هو مئة ألف ليرة سورية؟

من يصدق أن أسرة مكونة من أربعة أو ثلاثة أفراد قادرة على تدبر أمورها بمبلغ مئة ألف ليرة في الشهر دون أن تصل إلى حد التسول المباشر أو غير المباشر والعياذ بالله؟

سأكتفي بكل ما تقدم لأن المواطن لديه هموم تفوق ما ذكرته آنفاً، وسأجيب عن السؤال الأول الذي أشرت إليه في البداية: بم تفكر يا عصام؟

الجائع لا يستطيع التفكير إلا برغيف الخبز ومن ثم يحلم بنصف لتر زيت زيتون كي لا تنقرض أكلتنا التراثية «الزيت والزعتر»، والمواطن لا يستطيع التفكير إلا بكل ما ذكرته في هذا الزاوية.

في ظل ذلك فأنا أقترح على حكومتنا الموقرة توفير مضادات للتفكير على غرار المضادات الحيوية كي لا نفكر بالمرة، وبما أنها سيرة وانفتحت، حبذا لو يتم توفير مضادات كآبة لمعالجة 90 بالمئة من السوريين الذين صاروا تحت خط الفقر حسب أرقام الأمم المتحدة، وسنكون للحكومة الرشيدة من الشاكرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن