ثقافة وفن

«القصيدة الانتقالية في صدر الإسلام».. دراسة تبحث في قضايا التشكيل الفني والرؤية لهذه القصيدة

| مايا سلامي

صدر عن وزارة الثقافة_ الهيئة العامة للكتاب دراسة بعنوان «القصيدة الانتقالية في صدر الإسلام»، تأليف الدكتورة هبة عبد الوهاب عقيل، تقع في 423 صفحة من القطع الكبير، وتناولت هذه الدراسة نماذج من الشعر العربي في صدر الإسلام سعياً إلى اختبار فرض علمي يرى أن المرحلة التاريخية الانتقالية تنتج قصيدة انتقالية تمثلها وتختلف في خصائصها الفنية والرؤية عن القصيدة الجاهلية التي سبقتها، كما تختلف عن القصيدة التي استقرت أسسها فيما بعد في العصر الأموي. ولما كان من العسير الإحاطة بالشعر الذي قيل في تلك المرحلة كلّه فقد اقتصرت على دراسة ثلاثة نماذج من القصائد هي: قصيدة الرثاء، قصيدة المدح، والقصيدة الذاتية، فصنفت القصائد ضمن كل نموذج من هذه النماذج في مجموعتين هما: القصائد المركبة والقصائد البسيطة وبيّنت الخصائص التي تميز كلّاً من هذين الصنفين على مستويات البنية والظواهر الفنية (الظواهر الأسلوبية، والمعجم اللفظي، والصور الفنية)، والرؤية.

وتتوزع هذه الدراسة على بابين يختص أولهما بدراسة قضايا التشكيل الفني في القصيدة الانتقالية فيمهد بمقارنة مفهوم القصيدة الانتقالية بعدد من المفاهيم مثل مفهوم الانعكاس، ومفهوم الموازاة الرمزية، ومفهوم الخلق الشعري، وينتقل بعد ذلك إلى دراسة بنية القصيدة الانتقالية فيتناولها بالدراسة والتفصيل ويلتفت بعد ذلك إلى دراسة السمات الفنية للقصائد الانتقالية. ويختص الباب الثاني بدراسة قضايا الرؤية المتنوعة في القصيدة الانتقالية ما يتصل بالإنسان الفرد والمجتمع، والدهر، والموت، والحرب، والسلطة، وعالم الغيب، ويختتم هذا الباب بدراسة تحليلية لثلاث قصائد انتقالية إحداها مرثية والثانية مدحية والثالثة قصيدة ذاتية، لبيان مدى حضور ملامح الانتقال فيها ويأتي هذا الفصل تتويجاً تطبيقياً وتكثيفاً لخصائص القصيدة الانتقالية.

الموازاة الرمزية

وفي البداية تشير الكاتبة إلى أن القصيدة الانتقالية تقترب من مفهوم الموازاة الرمزية وتبتعد مسافة عن مفهوم الخلق الشعري لأنها أعادت صياغة مواقف الحياة كما تمثلت في وجهة نظر الشاعر، من غير أن تقطع صلاتها بالتراث والواقع فقد ظلت في صدر الإسلام تتنفس في أحيان كثيرة أنفاس الجاهلية وتتغنى بقيمها وظلّت قبل ذلك تستمد معظم ألفاظها من المعجم الجاهلي وتصيغ بها صورها وتشبيهاتها. وبذا حافظت القصيدة الانتقالية على علاقة جيدة بالواقع وإذا كانت مفردات جديدة قد استحدثت لتعبر عن قيم إسلامية ناشئة فلا يعني ذلك أن القصيدة الانتقالية انفصلت عن جذورها أو أغلقت المعجم التقليدي وإنما استثمرت تلك الجذور ووضعتها في صيغة مستحدثة تناسب المرحلة التاريخية، وبذلك تلتقي الأفكار التي تسعى إلى عزل الشعر عن محيطه الاجتماعي ويغدو من المسلم به أن الشعر موازاة رمزية للواقع لا ينقله حرفياً ولا يعكسه مرآويّاً.

قصيدة الرثاء

في هذا الجانب تتحدث د. هبة عن قصيدة الرثاء التي سجلت بنمطيها البسيط والمركب حضوراً واضحاً في شعر صدر الإسلام وأصابها ما أصاب الشعر عامة في تلك المرحلة الانتقالية، فتبين أن قصيدة الرثاء المركبة هي التي تتبع نهجاً عاماً يتمثل في الافتتاح بمقدمة تتنوع مظاهرها ويتفاوت الشعراء في كيفية بنائها بما يلائم جو القصيدة وغرضها الذي تبنى عليه ينتقل منها الشاعر إلى بناء القسم الثاني من أقسام المرئية، ويتميز في قصيدة الرثاء المركبة في شعر صدر الإسلام اتجاهان واضحان يميل أحدهما إلى المحافظة على البنية التقليدية ويتجه الآخر نحو بناء مثال جديد مغاير، تكيّفاً مع المرحلة الانتقالية وما فرضته من ملامح التجديد على مستويات مختلفة منها الشعر. وأن قصيدة الرثاء المركبة المحافظة مضت على النهج الموروث واحتفظت بالروح الجاهلية ولم تبد فيها ملامح مستمدة من الدين الجديد إلا في حالات عزيزة جداً.

وعن أهم شعراء هذا الاتجاه، تذكر أنه: «يعد ابن مقبل من أبرز الشعراء الأعراب المخضرمين الذين احتفظوا بعد إسلامهم ببنية تقليدية محافظة للمرثية ويمكن التمثيل بمرثيته في الخليفة عثمان وهذه المرثية نموذج لمراثي الأعراب الذين ظلت في روحهم بقية قوية من مثل الجاهلية وحنين إلى أيامها وتجلّى ذلك في شعرهم بالتمسك بالتقاليد الفنية الموروثة في جانب بناء القصيدة وفي اللغة والظواهر الأسلوبية والصور الفنية وغيرها».

كما تستعرض نموذجاً للمرثية المركبة للشاعر حسان بن ثابت التي قالها في رثاء حمزة بن عبد المطلب وجاء فيها:

هل تعرف الدار عفا رسمها بعد صوب المسبل الهاطل

بين السّراديح فأدمانةٍ فمدفع الرّوحاء في حائل

سألتها عن ذاك فاستعجمت لم تدر ما مرجوعة السّائل

دع عنك داراً قد عفا رسمها وابك على حمزة ذي النائل

الظواهر الأسلوبية

تتناول الكاتبة هنا الظواهر الأسلوبية التي تميزت بها القصيدة الانتقالية وأهمها ظاهرة التكرار التي تجلت في تكرار الألفاظ، الأسماء، الصيغ الصرفية، التراكيب. فتقول: «يمثل التكرار ظاهرة أسلوبية تستحق الدراسة في القصيدة الانتقالية لأن له أهدافاً مرسومة ووظيفة محددة في نسيج القصيدة وهو ليس فضلة يمكن الاستغناء عنها ولا يكون على حساب المعنى، وإلى جانب كون التكرار ظاهرة أسلوبية فإنه كأية أداة لغوية يعكس جانباً من الموقف الشعوري والانفعالي وهذا الموقف تؤديه ظاهرة أسلوبية تشكل لبنة أساسية من لبنات العمل الأدبي.. ، والتكرار عندما يدخل في سياق النص الشعري يكتسب دون شك طاقات إيحائية من تلك الطاقات التي تحملها اللغة الشعرية نفسها».

وتستوضح د. هبة ظاهرة تكرار الأسماء بقول الحطيئة في مدح آل لأي:

لقد شدّت حبائل آل لأي حبالي بعدما رثت قواها

وما تتّام جارة آل لأي ولكن يضمنون لها قراها

ويبني المجد راحل آل لأي على العوجاء مضطمراً حشاها

ويأتي اسم آل لأي في نهاية الشطر الأول من كل بيت فيشكل إيقاعاً داخلياً ينظم هذه الأبيات أو يخلق بينها شيئاً من التواشج والارتباط الصوتي والمعنوي ويكشف عن اهتمام الشاعر والهاجس الذي يسيطر على نفسه.

النتائج

وصلت هذه الدراسة إلى جملة من النتائج، أولاً أن القصيدة الانتقالية كانت في معظم الأحيان قصيدة بسيطة لا تحفل بالموضوعات المتعددة التي كانت تبنى عليها القصائد المركبة التي اتسمت غالباً بالمحافظة وظلت تنهج المنهج التقليدي الموروث الذي أرساه الأسلاف الجاهليون. ثانياً، أن مضامين القصائد الانتقالية كانت انعكاساً لمظاهر الاضطراب والتخلخل اللذين أصابا منظومة القيم بعد ظهور الإسلام لأن نفوس الشعراء لم تكن على درجة واحدة في تقبّل أمر الدين الجديد والتكيّف معه، وكانت نفوس شعراء آخرين أكثر مرونة فسارعوا إلى صياغة شعرهم صياغة إسلامية. ومنها ثالثاً، أن ملامح الانتقال والتجديد قد ظهرت في شعر شعراء الحواضر أكثر من ظهورها في شعر شعراء البادية فقد ظلّت في نفوس البدو الأعراب بقية قوية من روح الجاهلية ومثلها وأعرافها وظهرت في شعرهم سمات الانشطار النفسي والتشعّث العاطفي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن