ثقافة وفن

المخطط الوراثي علمياً.. من نحن ومن نكون؟ … الإنجازات العلمية تغيّر وجهة البحث ونظريات جديدة ومحتملة

| إسماعيل مروة

ربط الدارسون المتعمقون بين النظريات العلمية والأدبية والنقدية والفلسفة، بينما اقتصر العاديون على النظر إليها نظرة ريبة ومحاربة أحياناً، أو نظرة قبول ورضا في أحايين كثيرة، والمتتبع سيجد أن النظريات النقدية ذات أرومة فلسفية أو مجتمعية تؤدي أغراضاً لها علاقة بالمجتمع وسيرورته.. ومنذ سنوات يتحدث المتحدثون عن ظاهرة DNA، وهي في نظرهم وسيلة لكشف أصل الإنسان، أو لاكتشاف جريمة ما..! وتوقف الأمر عند هذا الحد.

العلم وآفاقه

صدرت دراسات علمية كبيرة في العقود الأربعة الأخيرة، وظهرت بوادر ثورات علمية وطبية غاية في القيمة، وتمت ترجمة هذه الأعمال إلى العربية دون أن نلقي لها بالاً، وعدد منها قدّم في ثوب علمي عبر سلسلة عالم المعرفة مثل الاستنساخ والجينوم وسوى هذين الكتابين، ولكن أحداً لم يبن على هذه الدراسات، ولو دراسات أصيلة في اللغة العربية، واليوم صدر كتاب من أهم الكتب العلمية (المخطط الوراثي- كيف يجعلنا الـDNA من نكون) لروبرت بلومين وترجمة الأستاذ الدكتور نايف الياسين وهو حلقة علمية جديدة متقدمة لا تقتصر على مفهوم الـDNA الشائع، بل حلقة تتناول كشوفاً طبية واجتماعية وثقافية، وربما تشير إلى الانقلاب الهائل الذي يشهده العالم منذ عقود، وبدأت تباشيره تظهر بتغير المفهومات الطبية والنفسية والاجتماعية وفقاً للمخطط الوراثي وكشوفه.

العمق والتخصص

قد يتبادر إلى الذهن مباشرة أن مؤلف الكتاب طبيب وحسب، وهذا يدفع إلى الاعتقاد بأنه كتاب طبي تخصصي، ولكن المؤلف هو عالم نفس ووراثة، وصاحب إسهامات في علم الوراثة السلوكي، وهذا ما جعله منتمياً للجانبين الطبي والنفسي، وأكثر قدرة على توظيف أمور متعددة في الوقت نفسه، فهو يوظف أبحاثه في ميدان الوراثة وفي ميدان علم النفس، ويوظف النظريات السابقة والمرافقة التي يقوم بالبناء عليها، وهذا ما نلمحه من أبعاد اجتماعية ونفسية من السطور الأولى في المقدمة.

«اكتشاف جوهري ثان واقع على التقاطع القائم بين الطبيعة والتنشئة يتمثل في الطريقة غير المتوقعة التي تجعلنا فيها البيئة من نكون، فالأبحاث الوراثية توفر أفضل دليل تمتلكه على أهمية البيئة؛ لأن الوراثة مسؤولة عن نصف الاختلافات النفسية فيما بيننا فقط».

فالباحث العالم يقدم دراسة تظهر أثر الـDNA في الحياة، ويبني دراساته على دراسات سابقة كفرويد وسواه، والدراسات النفسية، والنظريات النقدية ليظهر قيمة المخطط الوراثي، فهي ليست دراسة طبية بالمعنى البحت الخالص، وإنما هي دراسة علمية عالية توظف الاكتشافات الطبية والدراسات الاجتماعية.

جاء الكتاب في أربعة عشر فصلاً من لماذا الـDNA مهم؟ إلى فك التشابك بين الطبيعة والتنشئة، إلى طبيعة التنشئة، إلى الجينات، إلى ثورة الـDNA، إلى مطاردة الجينات، إلى التنبؤ بمن نكون، إلى الرابع عشر المدهش الذي يحمل عنواناً صادماً، مستقبلنا هو الـDNA.

العلم والإرهاصات والصدمة

لست في صدد تقديم عرض لمحتوى الكتاب فذاك يحتاج مساحات أكبر، وربما احتاج أن يتعرض له متخصص متعمق في الطب والوراثة والمجتمع، لكنني أشير فقط إلى ما يحمله الكتاب من قضايا علمية، ومكتشفات من الصعب أن نقرأها في كتاب مؤلف باللغة العربية، وما يشكله من صدمة للقارئ غير العربي قبل الكاتب العربي، وأرغب ألا يمر هذا الكتاب مروراً دون الإشارة إلى ما فيه وما يحتويه، وما يقدمه من كشف.. ما الذي يمكن أن تفكر فيه إذا سمعت عن جهاز جديد بمنزلة عرّاف يروج له على أنه تتنبأ بسمات سيكولوجية مثل الاكتئاب والفصام والإنجاز الدراسي، والأكثر من ذلك أنه يستطيع أن يتنبأ بمستقبلك منذ لحظة ولادتك، ويمتاز بالموثوقية والحيادية الكاملتين، وثمنه مئة جنيه إسترليني فقط؟

من هذه النتيجة الخاتمة يبدأ روبرت بلومين، وهي النتيجة الدهشة التي تشكلت نتيجة الفصول التالية كلها، ونتيجة أبحاثه السابقة، ووقوفه على دراسات السابقين النفسية والبيئية مثل فرويد ومدرسة التحليل النفسي..

وفي هذا النقل الأولي للمؤلف يحدد أموراً مهمة، هي أن الجهاز يتمتع بالوثوقية، وليس عرافاً عادياً، ورخيص الثمن، ولكن الأكثر أهمية في الموضوع هو أنه يمكن أن يحدد ذلك من لحظة الميلاد إلى المستقبل. وفي هذا إشارة واضحة إلى أن البيئة قد تسهم في حياة المرء، ولكنها ليست الفاعلة في حياته كما المخطط الوراثي، فمع لحظة الميلاد يكون الواحد بريئاً من أثر البيئة، ويخضع للمخطط الوراثي، وهذا ما يجعلنا نعيد النظر في عمق تأثير البيئة في حياتنا، وليس في تأثيرها، فهي مؤثرة، لكنها، على كل حال تخضع بالدرجة الأولى للمخطط الوراثي، وهذا ما يسوّغ التباين الحضاري والفكري والعلمي بين شعوب الأرض، وهذا ما قدمه من قبل كتاب (الجينوم) في السلسلة ذاتها.. وربما يقدم تسويغاً وقراءة لمفهوم الاصطفاء النوعي الذي روّج له العلماء، وربما بدأ العمل عليه بطريقة غير واضحة تماماً وسط الجوائح والأمراض.

«عندما نتحدث عن الوراثة فمن السهل الانزلاق إلى التفكير في الجين المسؤول عن هذا والجين المسؤول عن ذاك، وأنا أسمي هذا.. «فرضية جين واحد اضطراب واحد» وهذا أمر مضلل فالجنس البشري يمتلك آلاف الاضطرابات المرتبطة بجين واحد، ولكنها نادرة، وعلى العكس من ذلك، فإن الاضطرابات الشائعة بما في ذلك جميع الاضطرابات النفسية لا يسببها جين واحد» وهذا التداخل بين حياة كل منا والبيئة والجينات من الأهمية بمكان، ويمكن أن تبنى عليها دراسات مستقبلية أرادها الكاتب وقد أعطى عمره لهذا العلم والبحث فيه والتجربة.

خطورة لا ندركها

منذ صدور الكتاب في اللغة العربية حاولت أن أسمع رأياً، لكنه كتاب أضيف إلى كتب، ولو وقفنا عند مقدمته وحسب، لأدركنا أهمية هذا الكتاب، ليس في لغتنا، بل على المستوى العلمي، فالكاتب يتحدث عن تأخره في تأليفه لثلاثة عقود ولننظر في الأسباب «كان لا يزال من الضروري إجراء فريد من الأبحاث لتوثيق أهمية العوامل الوراثية، ووجود سبب آخر وهو الجين، فقبل ثلاثين عاماً كان من الخطير مهنياً دراسة الأصول الوراثية للاختلافات في سلوك الناس والكتابة عن ذلك.. أو أن يرفع المرء رأسه من فوق المنابر الأكاديمية للتحدث عن هذه القضايا.. أما الآن فقد جعل التحول الحاصل في روح العصر من الأسهل كثيراً كتابة هذا الكتاب.. والقصة باتت أكثر إثارة وإلحاحاً».

فالكاتب المنغمس في الطب والوراثة والمجتمع حدد بحثه، ولكنه استمر في بحوثه وتجاربه، وانتظر الوسط الملائم علمياً ليطلق بحثه الذي يمثل ثورة علمية واجتماعية ووراثية هائلة قد تحوّل وجهة الدراسات المكررة في عالم البيئة والنفس.

وبعد كل الصبر والانتظار يضع بلومين بحثه بين أيدي الباحثين دون أي ادعاء، طالباً مناقشة النظرية وفتح آفاق العلم والبحث بروح العلماء الواثقين من نظرية قامت على البحث والتجربة، ولا يجزم بشيء «الآن هو الوقت لإطلاق نقاش عام أوسع حول تطبيقات ثورة الـDNA ومضامينها في علم النفس.. إن علم الوراثة أهم بكثير من أن تتركه لعلماء الوراثة وحدهم» فالنظريات العلمية تحتاج منا إلى دراسة، لتتضافر الجهود في كل ميدان للوصول إلى نتائج تفيد الإنسان.

كتاب المخطط الوراثي من الأهمية بمكان، يعادل مكتبة في التحليل النفسي والبيئة والوراثة والمجتمع، من المفترض أن يوضع بين أيدي باحثين متخصصين متنوعي الاختصاص للبناء عليه.. وقد حظي بلغة عربية سليمة وعلمية للأستاذ الدكتور نايف الياسين، الذي قدّم بخبرته كتباً صعبة، لكنها من الأهمية والعمق، وتحتاج إلى عمق لغوي في العربية والإنجليزية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن