ثقافة وفن

مجافاة الواقع

| إسماعيل مروة

يتناوبك العجب والألم وأنت تقابل آراء متباينة لشخص واحد محدد، وفي قضايا ذات قيمة في حياتنا، وتتحكم في كل فاصلة من فواصل الزمن، فعندما تجلس مع مجموعة من المثقفين تسمع الأحاديث الكثيرة من التي لا يكتبونها، ولا يصرحون بها، وتصل الأمور عندهم حدّ البكاء لأن آراءهم لا يتم التعبير عنها، وتتم مصادرتها بشكل أو بآخر، ولا يتمكنون من التعبير عنها، وهي آراء إصلاحية حقيقية، ولو سألتهم فإنهم سيقولون: لن تجد طريقها إلى الناس، فالرقابة تقف حائلاً!! والرقابة من هي، ومن يقوم بها يا صديقي؟ ألستم جمهرة المثقفين من يقوم بالكتابة والرقابة؟ ألستم من يبحبش عن اسم الكاتب والمبدع لتفرغوا حقدكم عليه؟

ألستم من يؤول حبه للأرض في فهم يعارض السائد؟ أليسوا هم من رأوا أن وضع صورة المأمون صفحة أولى في مجلة خير الدين الزركلي «الأصمعي» تعريض بالمستعمر، وقاموا بإيقافها ومنعها؟ هل يقنعنا واحد أن الحاكم هو المقصود حقاً؟ أو الحاكم هو الذي قرأ وفسّر؟ إن جمهرة المثقفين هي التي قرأت ونقلت ومنعت فأوقفت مجلة كان من الممكن أن تكون كالرسالة لأحمد حسن الزيات أو المقتطف من المجلات المؤثرة في الحياة الثقافية العربية في حقبة أغنى من أي حقبة، حقبة مقاومة المستعمر، وبناء الدولة الوطنية..

هم أنفسهم يشكون من أن أفكارهم لا تصل.. وإذا ما عدنا إلى زمن الاشتراكية فإن السوفييت والصين أعطوا الكتاب والثقافة والفن كل الطاقة، فنشأ جيل مختلف ثقافة وعمقاً وتحضراً وثقافة، وقالوا الكثير مما أرادوا، المهم أنهم انشغلوا عن السياسة وتوابعها.. وهذا الأمر ضروري للمبدعين، فالمبدع لإبداعه وليس للسلطة، ويجب أن يكون حراً ومستقلاً ليساعد السلطة على الوصول بالمجتمع إلى الارتقاء، وبالإنسان إلى مرحلة أعلى من الحرية والسمو الوجداني والوطني، وحين اختلطت الأوراق ضاعت ثورة الثقافة الاشتراكية، وفي مصر ضاعت الطليعة والنقد والإبداع والفن والسينما، ويخطئ من يظن أن السلطات هي من يفعل ذلك، بل من يفعله المستنصبون الذين يريدون تهميش كل شيء، ويفسرون أي شيء ضدهم، فإن تحدثت عن فكر كونفوشيوس فأنت تشتمهم، وإن تغنيت بغوته فأنت ترفض أدبك، وهكذا دواليك!!

هم المستنصبون الذين تبحث عنهم السلطات في كل وقت وأوان، والذين يملكون بدافع المصلحة والضعف أضعاف ما تحمله السلطات من ضغائن على المنتقد الذي يحاول أن يشير إلى الخطأ وبذاك استطاعت النخب الحاكمة أن تحصد أمرين في الوقت نفسه، الأول أوجدت من يدافع عنها دون أن تطلب منه، ثانيهما استطاعت تقزيم المجتمع المثقف دون أن تبذل شيئاً.

فهذا يبحث ويتحدث في القضايا المهمة والشائكة، ولكن إن تحدث فيها سواه فهو خائن وطبقي وطائفي، وربما صار ضد الدولة والوطن، ومن الواجب رجمه، أما ذاك الذي يتهم ويوزع البراءات، فتراه يتحدث عن إنجازاته في الوصول إلى الغايات بذكاء.. وهذا يتحدث عن الوطنية والانتماء، وهو مرتبط من أطرافه الأربعة، وربما من أطراف أكثر بما يقوم بانتقاده وأسوأ، لكنه الأكثر قدرة على نقد الناس وسلبهم محاسنهم.

وهذا يتحدث عن العلم والتمكن، وعن ضرورة البحث العلمي، وهو لا يقرأ بحثاً في تخصصه، ولا يقرأ كتاباً مهما كان مهماً، بل قد لا يقرأ صفحة من جريدة يومية عادية! ولكنه يرفع عقيرته لينادي بالبحث العلمي وضرورته، دون أن يردعه رادع التقصير، وهو قادر على متابعة الآخرين وانتقاصهم في كل ما يملكونه من محاسن!

المجتمع حتى يسمو لابد من صراع الأفكار، سواء كانت حزبية منظمة، أم كانت فردية، وتخضع الآراء للنقاش بين المهتمين للوصول إلى مرتكزات مشتركة، قد يقترب منها الجميع، وإن كانوا لا يتفقون اتفاقاً تاماً، وهذا يدفع إلى أفكار أخرى وأخرى.. فلندع هذه الآراء تتصارع فيما بينها لعل المجتمع الفكري يصبح أكثر نبلاً، وأكثر قدرة على مجاراة الواقع، ليأخذ من كل جانب من جوانب الأفكار والآراء.

الطاووسية الجوفاء مجافاة للواقع، وعلى المرء أن يبتعد عنها، وعلى المجتمع أن يهجرها، وعلى السلطات أن تفرزها، لعل صراع الفكر السليم والنقاش يصل بنا إلى مجتمع مسالم طيب، سلاحه الكلمة، وغايته النبل والتقدم في ركب الحضارة والعلم.. وكل يذهب إلى محجته ورأيه، مهما كان هذا الرأي دون أن يخضع للقمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن