اقتصاد

محفظة «مسؤولين»؟!

| فراس القاضي

(وافق المجلس على مذكرة وزارة التنمية الإدارية المتضمنة الآلية الجديدة لتقييم معاوني الوزراء والمديرين العامين المنتهية مساراتهم الوظيفية وفق معايير وضوابط من خلال بناء محفظة الخبرات القابلة للتدوير بين المسارات الوظيفية المتضمنة منح قابلية الترشح لمركز عمل آخر ومسار زمني جديد لمعاوني الوزراء والمديرين العامين المنتهية مساراتهم).

هذا ما تم إقراره في جلسة مجلس الوزراء أمس الأول، وهو تقريباً التعديل ذاته الذي وافق عليه المجلس منذ نحو خمسة أشهر، مع تعديل جديد قد يبدو بسيطاً بالشكل، لكنه ليس كذلك أبداً، وهو (محفظة الخبرات).

نواحٍ عدة، وتساؤلات واستنتاجات كثيرة يأخذنا إليها الكلام السابق:

أولها وأهمها، أن قانون الإصلاح الذي سوّق له صانعوه على أنه سينتشل «زير» المؤسسات من «بير» البيروقراطية والروتين، لم يُدرس بشكل كاف، ولم يَدرس الحالة السورية كما يجب، بدليل التعديلات التي صدرت وستصدر، بالطبع هذا لا يعني أننا ضد مرونة القوانين، ولا مع اعتبارها نصوصاً مقدسة، لكن أن يعدل البند ذاته مرتين خلال أشهر قليلة، فهذا يشي بمشكلة كبيرة.

ثانياً، ما قصة مناصب معاون الوزير والمديرين العامين وأمناء المحافظات؟ ما سبب كل هذا الاهتمام بها والذي استوجب حتى الآن تعديلين آخرهما استخدامهم في وظائف أخرى مع «مسارات زمنية» جديدة؟

هل هناك مجموعة من الأشخاص لا تريد الحكومة لأحد غيرهم تسلم المناصب، لذا عدّلت من أجلهم القرار مرتين ومنحتهم «مسارات زمنية» وولايات جديدة؟ أم إن تناقص الكوادر الذي صار واضحاً وصل إلى هذه المراكز أيضاً؟

إن كان الخيار الأول، فلماذا تريدون الأشخاص أنفسهم فقط؟ وإن كان الثاني.. فياللكارثة.

وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فقد أعلنت الشركة السورية للاتصالات منذ يومين تمديد فترة التقدم لمسابقة فرع اتصالات دمشق، عشرين يوماً إضافية، أي إن أحداً لم يتقدم للوظيفة.

إن أخذنا المثال السابق، مع الأمثلة الكثيرة التي نعرفها ونسمع بها عن انقلاب المشهد من «واسطات» ومبالغ تدفع للحصول على وظيفة دولة، إلى «واسطات» ومبالغ تدفع لقبول الاستقالات من وظائف الدولة، وأضفنا إليها التشدد في رفض الاستقالات وفي العقوبات لمن يترك العمل، فسيرتسم أمامنا المشهد الكامل للمؤسسات الحكومية بعد خمس سنوات إن بقيت الأمور على ما هي عليه، وهو ما حذر منه أكثر من خبير استشرفوا ما يحدث حالياً منذ سنوات، وما زالوا يحذرون منه ويشددون على ضرورة رفع الأجور لتفادي هذه المشكلة التي ستؤدي إلى توقف الإنتاج في القطاع العام.

لكن حتى هذا الحل إن ناقشناه بمنطق، فإنه لن يغير المعادلة، لأن رفع الأجور لتكون مناسبة للأوضاع المعيشية الحالية مستحيل وفق الإمكانات المعلنة للحكومة التي لا تترك مناسبة إلا وتتحدث فيها عن شح الموارد، وكذلك لا تترك باباً تستطيع فيه تحصيل ولو ليرة سورية واحدة منه إلا واستغلته حتى لو كان مرفوضاً شعبياً (وهو أكثر ما تبرع به للأمانة)، لأن المبلغ الوسطي الكافي لأساسيات الحياة ليس أقل من مليوني ليرة حسب الدراسات السورية، فهل بإمكان الحكومة رفع الأجور بنسبة 2000 بالمئة أو أكثر؟

أما ثالثاً، ونتمنى أن يتسع صدر المعنيين له، فهو نقاش مصطلح «محفظة خبرات»، وضرورة استبداله بـ«محفظة مسؤولين».

خبرات بماذا؟

إن كانت إدارية، فإن الترهل الإداري والروتين القاتل في مؤسساتنا الحكومية لا يُحتملان، وإن كانت اقتصادية، فإن الواقع المعيشي الحالي الذي يزداد سوءاً يكشف قلة حيلة أو صلاحيات هذه الخبرات صناعياً وزراعياً وتجارياً، وإن كانت تشريعية فكل القرارات التي تصدر تحتاج إلى تعديلات تحدث أحياناً وأحياناً لا.

فعن أي خبرات يتحدثون؟ هذا هو السؤال الكبير.

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن