قضايا وآراء

المفاوضات والتوتر الإقليمي

| مازن بلال 

انعكس التصعيد الإيراني – السعودي بشكل مباشر تجاه الأزمة السورية، وكانت زيارة ستيفان ديمستورا نوعا من المتابعة التي أدت لموقف إعلامي من الصعب أن يتجلى نحو السياسة، أو يؤثر في تليين المواقف داخل تفاصيل التفاوض، فالتعثر الذي يمكن أن نشهده لاحقا سيكشف خطوط الصراع الإقليمي الذي يغذي ظهور السعودية بشكل دائم، ويجعلها قادرة على إثارة التوتر أكثر من قدرتها على التحكم بالأزمات، فطبيعة التصعيد الذي أبدته الرياض لا يمكن تفسيره إلا ضمن إطار الإخفاق الاستراتيجي ليس للسعودية فقط، بل لمجمل دول المنطقة التي تواجه اليوم استحقاق إيجاد نظام إقليمي جديد.
عمليا فإن الجانب الأساسي في أزمة العلاقات السعودية – الإيرانية هو في تمركز القوة داخل الدولتين، فالارتياح الذي تبديه طهران لانفتاح علاقاتها مع العالم يقابله قلق سعودي من «حصار سياسي»؛ يحد من قدرتها على التحرك ومن تأثيرها المركزي في قرارات الشرق الأوسط، وهذا الأمر دفع الرياض إلى مضاعفة الجهد لخلق استقطاب أقوى داخل الأزمات، فهي لم تجمع طيفا من المعارضة السورية على أراضيها فقط، بل قامت بأمرين إضافيين:
– الأول هو الحفاظ على الزخم الدبلوماسي نفسه تجاه دمشق، فهي الصوت الوحيد اليوم الذي يتحدث عن إحداث «انقلاب» في المشهد السوري، وهذا التوجه يحمل هدفاً واحداً فقط هو إبقاء التوتر ضمن المستوى نفسه عبر إيجاد «تطرف» حاد لأي حال يؤدي في النهاية إلى انطلاق العملية السياسية.
ضمن هذه النقطة تحديداً نفهم قلق السعودية من الانتقال نحو «السياسة»، حيث سيكون التنافس داخل سورية هو في القدرة على التحكم بالأزمة وليس دفعها نحو الانفجار كما يحدث الآن، فالتسوية المرتقبة ستخلق حالة انكشاف استراتيجي للمنطقة ككل وليس لسورية فقط، ومرحلة بناء نظام إقليمي جديد لا يحتاج إلى ضغوط وتوترات، وهو ما تتقنه الرياض، بل إلى قدرة إلى تفهم نوعية العلاقات التي يمكنها الحفاظ على التوازن الاستراتيجي للمنطقة.
– الثاني التوجه نحو انقسام كلاسيكي، أساسه مذهبي، من خلال تكريس التحالف مع تركيا، فالرياض على ما يبدو ترى شكل المنطقة مبنياً على محورين، وحل الأزمة السورية سيكون وفق هذا التمحور الذي يضمن عدم تحييد تركيا والسعودية من الدور الأكبر في إدارة النظام الإقليمي بما فيه الوضع الذي يمكن أن ينشأ في سورية.
والسؤال الأبرز داخل هذا التصور السعودي هو: كيف يمكن للرياض أن تخلق توازناً في العلاقات بحيث تكون هي والشريك التركي محوراً رغم التفاوت في تموضعهما الاستراتيجي؟ فهما مرجعية مزدوجة إن صح التعبير لتحالف يبدو أن هدفه الأساسي إطالة الأزمة السورية لإنهاك الخصوم فقط، ومن جانب آخر فإن أنقرة والرياض لا تملكان التماس نفسه مع الأزمة السورية، جغرافيا على الأقل، فالسعودية تسعى لعزل إيران إقليمياً عبر تحقيق انتصار على الأرض السورية، في حين تركيا تعرف أنها تحتاج لدور إيراني فاعل في العراق وسورية إذا أرادت ضمان أمنها واستقرارها.
إن الاجتماعات بشأن الأزمة السورية المقرر انعقادها نهاية الشهر الحالي يمكن تأجيلها، كما باستطاعة التوتر الذي يظهر اليوم إطالة أمد الصراع الإقليمي، لكن كل هذه الأمور لن تعفي كل دول المنطقة من البحث عن مخرج استراتيجي للتصادم الحاصل، لأنه كلما زادت حدة الصراع ارتفعت إمكانية تمدد الصراع إلى الدول الأكثر استقراراً، فهذا ما حدث في تركيا ومؤهل للتمدد نحو السعودية والأردن وحتى إيران، فانهيار النظام الإقليمي سيفسح المجال لكل أنواع التطرف كي تتطور وتستهلك الدول، وهذه المخاطر هي التي تدفع موسكو وواشنطن على التأكيد على الحل السياسي في سورية؛ لأنها ليست جاذباً للإرهاب حسب التعبير الأميركي، بل مقياس لنجاح أي نظام إقليمي قادم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن