اقتصاد

«منفض» مصرفي

| علي هاشم 

لا تبدو مصارفنا الحكومية في أحسن حالاتها، فبعض منها لم يدرك حتى اليوم المغزى الحقيقي للحرب الاقتصادية التي استهدفتنا بدءاً من نيسان 2011، قبل أن تبلغ إحدى ذرا حمأتها في آب التالي بحظر شامل على قطاعنا المصرفي.
لا يتلخص الأمر في إخفاق قريحتها عن ابتكار منتجات مواجهة متناسبة «نقديا وماليا» مع جبهة الحرب بما يدحض أهدافها، في الواقع لا أحد تساوره الشكوك حيال تمتع إدارتنا المصرفية بهذا النوع من العبقرية التمويلية، بل في عجزها حتى عن بلورة آلية مجدية لمنح قروض تشغيلية تقليدية رغم مرور قرابة عام على الطلب الحكومي الواضح والصريح في هذا الشأن!
قبل أسبوع، دشن المجتمع المصرفي موسمه الجديد من «قعدات» الدراسات لهذا العام، واجتمع أعضاؤه لدراسة تشميل المشاريع الصغيرة والمتوسطة بالقروض التشغيلية، وزيادة عما باتت تثيره كلمة «دراسة» من سخرية تبعا لوضوح عمليات إقراضنا المختزلة بـ«قرض/ ضمانة عقارية»، فهي باتت تبعث على الحيرة حيال ما كانت تفعله تلك الإدارات منذ نيسان الماضي ساعة طٌلب إليها ذلك، كما تثير التساؤل حول استيقاظ مخاوفها إزاء «سيولتها» التي جعلتها مبررا لـ«قعدة» الدراسة الأخيرة، فيما لو هي شملت المشاريع الصغيرة بالقروض التشغيلية؟!
ليس على إداراتنا المصرفية أن تخشى على سيولتها أو احتياطياتها الإلزامية جراء هذه القروض مهما توسعت بمظلتها، إذ ثمة إحجام متوقع عن طلبها تبعا لاشتراطاتها الطاردة وفق صيغتها الحالية، وبغض النظر عن ضرورة التريث لحين قيام وزارة الاقتصاد بوضع تعاريف المشاريع الصغيرة والمتوسطة وفق القوانين الجديدة، فثمة ما يثير التساؤل حول تصورات الإدارات المصرفية لهذا النوع من المشاريع. فمن أقر سقفا للقروض التشغيلية عند 3 ملايين ليرة، لا ينتظر منه أن يقر مثله للمشاريع الصغيرة بأكثر من 300 ألف أي ما يعادل نحو 800 دولار؟!
فكم من المنشآت التي يمكننا إعادتها للإنتاج بمبلغ لا يكفي لأكثر من شراء «300 كغ كوسا» وفق الأسعار الرائجة؟!
في كل الأحوال، سيكون لمصارفنا ما يكفي ويزيد من الوقت لتبديد مخاوفها المزعومة حيال السيولة، لكن ما يلفت خلال اجتماع «الدراسة» إياه، قيام «مصدر مصرفي» بنعي الحديث عن تمويل القروض الاستثمارية للمشاريع الصغيرة الأكثر حاجة «وعجزاً» للنفاذ إلى الخدمات المصرفية، والأكثر إلحاحاً في سلم احتياجاتنا الاقتصادية، ما يثير الاستغراب بالفعل حول مدى استجابة الإدارات للتركيز الحكومي على هذا النوع من المشاريع والدفق التشريعي الأخير لما يتطلبه تنشيطها من بيئة قانونية، وحتى لو راودنا التفاؤل بانصياعها لهذه التطورات والانطلاق نحو وضع الآلية المناسبة لتمويلها، فقد يحتاج الأمر لبضع أجيال قبل إنجازه قياسا بـ«نشاطها المشهود» في قصة القروض التشغيلية!
كل ذلك دون الخوض في تصوراتها العلمية عن الأمر برمته واطلاعها على المسلمات القائلة إن قروض المشاريع الصغيرة تعني تخليق هذا النوع من ورش الإنتاج، فيما لا أحد سمع يوماً عن أساطير من قبيل «تمويل رأس المال العامل» لمشاريع لم تولد بعد؟!
انفصال إداراتنا المصرفية عن زمننا وكنه معضلتنا يعظم الحاجة إلى «نفضة» قوية توقظها، أو تقتلعها من مكاتبها إلى أمكنه أخرى تتناسب وقدراتها في إدارة خزائنها كما «أمانة المستودع» التي لا يتطلب نجاحها سوى مطابقة حريصة للصادر منه والعائد إليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن