ثقافة وفن

«ديوان الهروي» تراث قبل أن يضيع

| إسماعيل مروة

أحد شعراء القرنين الرابع والخامس الهجريين، عاش نصف عمره في الرابع، ونصفه الآخر في الخامس، شهد له معاصروه، والتقى الأجلاء من العلماء الذين نذكرهم، ونعتدّ بهم، فأنس بهم، وأنسوا به، وذكروا فضله وفقهه وأدبه وشعره: الهروي منصور بن محمد الأزدي، الذي ذكر له مترجموه ومعاصروه أكثر من أربعين ألف بيت من الشعر متعددة الأغراض في الخمر والغزل والحكمة والموعظة والزهد والشكوى، ووصف الحال، وخاصة بعد أن هدّه الهرم.

ضاع ديوانه، ولم يبق من شعره إلا القليل المنجم في الكتب والمصادر، انبرى أحد محققي التراث المتضلعين بالتراث وتحقيقه الأستاذ إبراهيم صالح، وجمع ديوانه من المصادر، حيث بلغت أشعاره ما يقارب 350 بيتاً، وقد خدم الأستاذ صالح- كعادته في تحقيقاته- الكتاب فجمع الأشعار وخرّجها، وذكر بحورها، وهذه الخدمة يتجنبها الذين يتعاملون مع التراث تعاملاً تجارياً، فأعطاه خلاصة الجهد الصادق، واتبع ما استنبطه مع الزمن من المصادر بفهارس تامة، كما قدّم بترجمة ضافية على صغر حجمها في حياة الشاعر وسيرته وعلاقاته بعلماء عصره، وما جاء عنه في المصادر، فلم يسلّم بما جاء عن السلف لمجرد أنه جاء عنهم، بل ناقش الأمر بالمقارنة النصية بين النصوص التي كتبت عنه ليخرج بنتيجة تنصف الهروي وحياته.
ومثال ذلك «لكن الذي يستوقف المرء، هو هذا التناقض بين قول مؤرخيه: كان يختم القرآن في كل يوم وليلة، وبين قول معاصره الباخرزي في «دمية القصر»: وكان مغرى بالشراب، مغرماً بالإطراب، يمناه متوجة بكأس الرحيق، ويسراه مقرطة بعروة الإبريق، وخمرياته مما يحكم له فيها بالفضل على الحكميّ أبي نواس».
ويعقب الأستاذ المحقق: وأرى أن ذلك عائد إلى عدم معرفة الباخرزي به معرفة شخصية، وإنما بنى أقواله على ما ورد في أشعاره من وصف الخمرة ومجالسها، وهو في الحقيقة مقتدر على ذلك، وقد يحكم له فيها بالفضل على أبي نواس «ص10».
وفي الحديث عن شعره ولسانه يذكر المحقق قول السبكي «كان فقيهاً، شاعراً مجيداً، لا يعتري شعره عجمة مع كونه من أهلها وكان يختم القرآن في كل يوم وليلة».
ويعقب المحقق بخبرته: وقول السبكي هذا فيه من الغرابة ما يغصّ به المرء، فكيف يعتري شعره العجمة من كان عربي الأصل، أزدي القبيلة، مهلبي النسب؟ ص10
إنها مهمة المحقق في أن يدقق، وهذا ما كان من شأن المحقق الثقة الأستاذ صالح الذي لم يقف بإجلال أمام كل ما وقعت عليه يده، وإنما عرض ذلك للنقاش ليخرج بصورة متكاملة أقرب إلى الحقيقة.

التراث مجدداً
صدر ديوان الهروي عن الهيئة السورية للكتاب، وكأن مهمة نشر التراث التي كانت نشطة بمديرية التراث أيام الدكتور الراحل عدنان درويش، والأستاذ الراحل محمد المصري قد عادت لتقدم لنا نصوصاً تراثية موثقة وموثوقة، والمتابع يعرف الدور الذي قامت به وزارة الثقافة في نشر التراث العربي من دواوين ومعاجم وكتب ودراسات كانت مصادر مميزة، وبعد أن تنازلت الوزارة نوعاً ما عن التراث أصبحنا نجد بعض المعاجم والدواوين والدراسات، وحبذا لو عادت عجلة التراث الذي يستحق النشر مرة أخرى إلى سابق عهدها في الوزارة، وخاصة أنها تقدم التراث المدروس بدقة، والذي يبتعد عن الإشكاليات والخلافات.
من جميل شعر الهروي في الغزل:
سكوتي كلام، والكلام سكوت
ولي طمع أحيا به وأموت
وليس لروحي غير قربك راحة
ولا لفؤادي غير حبك قوت
وصبري قليل والهموم كثيرة
وأنت بخيل والزمان يفوت
ومن لي بحسن الصبر عنك وإنما
وصالك لي ماء وقلبي حوت
ومن قوله في الصديق:
إذا ما كنت معتقداً صديقاً
فجربه بأحوال ثلاث
مشاركةٍ إذا ما عَنّ خطب
وإسعافٍ بعين أو أثاث
وسرّك فائتمنه عليه وانظر
أبكتم أم يذيع بلا اكتراث
فإن صادفت ما ترضى وإلا
فإن المرء ذو عقد ثلاث
ديوان الهروي من أربعين ألف بيت إلى عدد محدود من الأبيات في أغراض شتى، وبحجم لطيف، ليس المقصود أن أستوعب ما فيه، ولكن ما أوقفني عنده تلك الخدمة الجليلة التي قدمها المحقق في سبيل إخراج التراث الناصع من دون اكتراث لتعب وزمن، وعوائده لا تصل إلى جزء من هذا الجهد، والتخير لكتب التراث التي تقدم لنا تراثاً حقيقياً وجديراً لا يقوم على بذر الشقاق، ولا استمالة الغرائز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن