ثقافة وفن

غزة.. لم تكن يوماً قضية.. فلسطين هي القضية … الخطيب: لا كنتُ نسل عروبتي.. إن كنتُ أنساكِ!!

| الوطن

يتنادى الناس اليوم للوم والحديث عن المشكلات ومسبباتها والحرب ومن بدأها، ويحصرون الأمر في غزة وحدها، وبمن قام بالمقاومة فيها، ويتجاهل هؤلاء أن غزة اليوم ليست هي قضية العرب، وإنما قضية العرب هي فلسطين كلها، وأن الحرب أساسها هذا الاحتلال الاستيطاني الذي نشأ على القتل والتدمير الممنهج.

ولعلنا لو عدنا إلى أدبياتنا لوجدنا الكثير مما يصحح البوصلة إلى فلسطين كلها.. وهاهو الشاعر الكبير يوسف الخطيب يظهر في تقديمه لشعره الإرهاب ومصدره، ويظهر الأثر الخطير لمصدره بلغة أدبية واضحة:

مفهوم الإرهاب والشعب المختار

فإن قال بعضهم إن العدل.. والظلم مفهومان نسبيان، لا يتفق عليهما اثنان.. فلعلي هنا من أكثر خلق الله إدراكاً لاحتمال أن تحمل «الحقيقة» الواحدة ألف وجه مختلف.. ولكنني أدرك في الوقت نفسه وبالقَدرِ نفسه أن «الحق» ليس له إلا وجههُ الواحد الأحد!!.

و«الحق» هنا هو أن الله قد جَبَل صلصالة آبائي وأجدادي من تراب هذه الأرض، فلسطين، قبل ألوف السنين من ظهور أي حثالات بشرية تدّعي أن لها إلهاً وثنياً، خرافياً، وخَرِفاً معاً، قد حَضّها وحرَّها على انتزاع هذا الوطن الذي امتلكتهُ وشعبي منذ فجر الخليقة، وشق لها طريق الحرب والرعب للقضاء على جميع «الأغيار» من فلسطينيين، وحتى غير فلسطينيين!!.

فلأجل أن نعلم النشأة الأولى تماماً لمفهوم «الإرهاب» الشيطاني هذا الذي لا تنفك تضج به طاحونة الدعاية «الصهيوأميركية» الفاجرة ضد شعبنا الأعزل، وحتى ضد رماة الحجارة من أطفاله الأبرياء، فإن علينا أن نتجه أولاً وقبل أي مرجعية أخرى، إلى خطاب هذا الإله الخرافي، الخرف، لشعبه اليهودي الدموي،«وبالنصين العربي، والإنكليزي- بمغزى خاص- في قلب التوراة الأسود».

«سأرسل إرهابي أمامك، وأنشر الذعر في جميع الشعوب التي تغزو بلادها، وسأجعل جميع أعدائك ينقلبون مدبرين!!.»

(سفر الخروج-23/23)

ثم بمثل هذا «الإرهاب الديني المقدس!!» عند أتباع الديانة اليهودية سنرى إلى قائدهم العسكري «يوشع بن نون» قبل نيف وثلاثة آلاف سنة، وهو يحتل بلده أريحا الفلسطينية بمستوى من الوحشية يندى له خجلاً جبين أدولف هتلر، حتى بزعم محرقة «الهولوكوست»:

«فصعد الشعب إلى المدينة، وقتلوا جميع من فيها من رجل، وامرأة، وطفل، وشيخ، حتى البقر، والغنم، والحمير، بحد السيف (!!)».

(سفر يشوع- 6/20-24)

وأخيراً وليس آخر.. سنرى هذا الإله- الخرافي بطبيعة الحال- ولكنه الذي يستوطن النفس اليهودية حتى أعماقها، وهو يتحول الآن من خطاب «الترهيب» لجميع الآخرين من غير اليهودية.. إلى خطاب «الترغيب» لأتباعه اليهود أنفسهم، بما ستسفر عنه حروبهم «الإرهابية» خلف قيادته من غنائم واستلابات لا يقع مثلها إلا في أخيلة الشياطين.. أو كما هو عليه واقع الحال اليهوديِّ الاحتلاليِّ الراهن في فلسطين!!..

من بديع الصور

ومن الصور التي لا تنسى تلك الصياغة المميزة صورة فلسطين التي تسكن في جوهره وجوهر كل فلسطيني لتؤكد بأن فلسطين هي القضية والباقية والحلم المشتهى.

العندليب المهاجر

لو قشَّةٌ مِمّا يرف ببيدر البلدِ
خبأتها بين الجناح، وخفقة الكبد
لو رملتان من المثلث، أو رُبى صفدِ
لو عشبة بيدٍ.. ومزقة سوسنٍ بيدِ
أين الهدايا مُذ برحت مرابع الرغد
أم جئت مثلي، بالحنين وسورة الكمدِ؟!
•••
عهدي بدار طفولتي فردوس أحلام
الشعر بعض ربيعها المتفتح النامي
وعلى دواليها ترنم ألف خيّام
أنشودةٌ هي، جمّعت من كلّ إلهام
من ناي راعية، ومن أجراس أغنام
وحفيف غابٍ واختلاجة جدولٍ هامِ
•••
عهدي بدار طفولتي سحرية الصور
مغسولة الربوات في شلالة القمر
أوَّاه، كم أمسية عربية السمر
كانت لنا في كل رابيةٍ، ومنحدرِ
كم سرحةٍ عند الأصيل، ويقظة السحرِ
بِسلالنا ملء الرُّبى، ومسارب الشجر
•••
ماذا رحيلك أيها المتشرد الباكي
عن أرض غابات الخيال، وفوحها الزاكي
أم أنّ مرج الزهرِ أصبح قفر أشواكِ
وتلونت أنهارها بنجيع سفَّاك؟!
داري، وفي عينيَّ والشفتين نجواكِ
لا كنتُ نسل عروبتي، إن كنتُ أنساكِ!!
قسماَ بكلِّ غريبة المنفى، ومغترب
باللاجئين على مرامي أعيُنِ الشهب
سأظل أحرق شمعتي، وأذوب في لهبي
وأزفهم كأسي، وأحيا العمر في سَغبِ
سأظل أدفع قاربي في الصاخب اللّجبِ
حتى أطلّ به على دوامة الحِقَبِ

وغزة قلب فلسطين

ومن شعر الخطيب ذائع الصيت تلك التي صدح بها في دمشق وكانت مثيرة بإبداعها ومضمونها وشعريتها.

رأيتُ الله في غَزَّة
حليبك في دم الشهداء ساقيةٌ
تهيمُ على جهات الأرض
ثم تصبُّ في بحرك..
حليبك خمرُ داليةٍ
يَعُبُّ كؤوسها الندمانُ
ثم يكون من دمهم طلى ثغرك..
حَليبُكِ غيمةٌ بيضاءُ
تشربُ منك لونَ الجرح
ثم تغوصُ في صدرك..
وليلة أن برحتُكِ ضِعتُ في الأحقاف
أشردُ عنك.. في إثرِك..
وعدتك عند بستان القيامةِ
أسرجي فرسَ الصباح
وجنِّحي الدنيا على قبرك..
هبي أن النجوم توارت الليله
فتلك تضيء فيك بنادق الثوار..
هَبِي أن شحَّ منكِ الزيتُ في الشعله
فتلك صدورهم دَفَقت نبيذ النار..
لأنك أنت- في واحد-
هي البستانُ، والندمانُ، والخمره..
لأن جبينك المارد
هو الثوار، والثوره..
وقلبك وردةٌ مشكوكةٌ في الرمح
وهو على أكفِّ غُزاتِه جمره..
وأنت الآن مكةُ كل قافلةِ
وغار حراء كُلِّ نَبي
وأنتِ الآن طيرُ البعث
يهبط معبد اللهب
يحط قتام هذا الليل
ينفخ في قِراب السيفِ
روحَ الحرفِ
بين قبائل العربِ..
وأنت الآن آمنةٌ
وأنتِ حليمةُ الصحراء..
وبوحكِ صار جبريل القصيدِ
وسُورة الشعراء..
وجرحكِ صار مائدة المسيح
وزمزم الشهداء..
وأعلم أن فوق الطُّور،
من خشبي، ومسماري
سأصعد فيك جلجلتي
وبعدُ، يكونني الإنسان..
فخَلِّي بيننا وعداً..
خلالَ الليل والبستان..
وجزي خصلةً، من فوق خدك
نار تذكار
ولو أني نسيت إليك ما النسيان…
وهاتي قبلةً لفمي
وهاكِ دمي
على شفتيك
لون شقيقة النعمان..
لأني فيك غصتُ غيابة الجُبِّ
وأصعد فيك طور الحزن، والحبِّ
وها أجراس قافلةٍ
تجيء إليّ عبر سفوح جِلعاد
فسوف أشيد مئذنتي
على بوابة السلطان
وأقرأ فيك، أدعيتي، وأورادي
وأنشدُ فيك إنشادي:
«أحِبُّ حبيبتي.. يا ليلُ..
«خذ بوحي وأسراري
«وتحت ربيع شُرفتها
«فتحتُ جروح قيثاري
«فنادِ عليَّ كلّ الحي
«من عَسَسٍ وسُمار
«يظل لديّ.. قبل الموت..
«قبل البعث..
«عمر فراشة النار..
«وعمر قصيدة تتلى
«وأدعيةٍ
«وعمرُ عناق..
«وعندئذ يُشبّه للمدينة
«أن وصلَ اثنين
«كان فِراق!!
حليبكِ في دم الشهداء.. منك.. إليك
أنت وهمُ خلوصُ البحر في المزن
وأنت وهم.. نشيد الحب.. والحزنِ
نهايته.. بدايتهٌ.. على الكون..
ونحن هنا- على الأحقاف-
مخبولون في مسّ من الجِنِّ
فنادينا لعلك إن نفخت الصور
قد تجدين شبه القلب، والأذن
يهيج بنا..
وشبه الدمع في العين..
ونحن على أرائكنا
نمدّ الآه.. تلو الآه..
ونحيي للصباح ولائم العرق
ونغسلُ عارنا.. بالعطر.. والدبق..
ونحن هنا..
نُعمّر من مجاعتنا، بيوت الله
لكي ننساه بين خرائب الأقصى..
لكي ننساه!!
ولكني صعدت إليه طور سنين
رحتُ إليه حتى قمة المأساه
ويا قومي.. أبشركم.. رأيت الله
وكنتُ.. وكانت الأشياء
دخاناً فوق وجه الغمر
وهو يعيد خلق الكون.. من سيناء..
رأيت الله بين حرائق الحرب
يضم لصدره الدنيا
يصب الغيم في النابالم..
يطبع قبلة الحب..
رأيت الله في غَزَّه
يؤرجح فوق نور ذراعه طفلا
إلى أعلى..
ويمسح في سكون الليل
أدمع أمهِ الثكلى..
رأيت الله في الساحات
يغمض أعين القتلى
ويسقي في مدافنهم
غصون الآس والدّفلى..
رأيت الله يأتي الكوخ والخيمه
يزق صغاره السّغبين باللُّقمه
يطوف على شبابيك السجون
يُضيء فوق شفافهم بسمه
رأيت الله يبرح قبه الجامع
وينزل في صدور المؤمنين
ويملأ الشارع
رأيت الله، روح العزم في الناس
أمام سريةٍ يمضي
ويطمنُ خلف متراسٍ..
رأيت الله- وجه الشمسِ
فوق عباءة السحب
يجيء مدينة الأبطال
يسقي الأرض غيث الصبر
في جام من الغضب..
رأيت الله يرفع من خرائبها
منارة كلّ بحَّار
وها أنا.. فوق صدر اليمِّ
أمخضُ موج أقداري
وأسأل عنك. واغَزَّاه..
في مقل النجوم، ونورس الصَّاري..
وأعلم أن ما بيني.. وبينك
أفق أسوار
ولكني اعتليت إليك صهوة همتي
وجنون إصراري
وأنت البحر.. والبحَّارُ.. والمرسى
وحمّى الأهل والدار
ومنك، إليك، أسفاري..
وها أنا في عُباب اليم
يسألني نزيف جبينك المصلوب
إكليلاً من الغار
ولكن.. آه لو تدرين
ذاك العام لم نفلح مواسمنا
وكل حصادنا الصيفي
كان طحالب العارٍ
وأنت، على بهيم الليل
وحدك كنت دالية الصباح
وكنتِ أغنية من النار
أردّدُها على سوط الخليفة..
آه.. أحدسُ يا ملاك الموت
من سيكون زوَّاري..
أحس حفيف أجنحة
تحلق فوق أسراري!!..
ونحن، على أرائكنا
نمدّ الآه.. تلو الآه..
ونحيي، للصباح، ولائم العَرقِ..
وأنت، هناك..
يشمخ فيك وجه الله
وجرحك ريشة الشفق
وأنت جزيرتي..
وأنا إليك سفينةُ الأفقِ
وأنت قصيدتي…
وأنا نزيف الحبر في الورق
وأنتِ عناقُ أخيلتي
وأنتِ قلاده العُنق
وثغرك حبَّتا كرزٍ
وعطرك غابتا حبق
وصدرك جرَّتا عسل
وشعرك نخلتا عبق
ونام على يديك الدهر..
نام البحرُ
واستيقظت فوق وسادةِ الأرقِ
لأنك أنت صقرُ قريشنا
وبقية الرمق
لأنك أنتِ آخر رايةٍ لم تهوِ
فاصطفقي..
لأنك أنت طير البعث
فاحترقي..
وعبر رمادك انبثقي!!..
حليبك في دم الشهداء
دالية تذوب على لظى ثَغرك
وهم ساقوكِ، حتى الصبحِ
ما شربوه من خمرك..
وأنت وهُم.. عِناق الموج والرمل..
وأنتِ وهُم.. مزاج الدمعِ والكحل..
وأنتِ وهُم.. بلا أهلٍ..
بلا أهلٍ..
بلا أهلِ!!..
فشُقّي ثوبك العربيَّ عن سترك
ودُقّي صدرك المسبيَّ في الليل
ونادينا.. بأعلى الطُّور..
نسهر ليلة البستان في حجرك
لأنّ هناك وعد الصبح
ينهضُ.. من دُجى قبرِك!!..

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن