ثقافة وفن

المالح ظريف دمشقي رائحة الشواء تحرك معدته!

| أنس تللو

رجل مفرط في الأناقة؛ دمثٌ في الكلام، حاضرُ النكتة، سريع البديهة، متوقد الذهن، حباه اللـه فوق ظرافته موهبة الصوت الجميل، ما جعل منه أمير المجتمعات لصوته وظرفه.
كان عبد الحميد قصيراً جداً، وكان محدودب الظهر حتى يكاد ينطوي على نفسه… يسير حاملاً عصا يتوكأ عليها، وقد أمضى حياته من دون عمل.
كان عبد الحميد جاراً لحسني تللو وصديقاً له، ولو قارنَّا بينهما حسب المقاييس الرياضية لوجدنا أن عبد الحميد كان بوزن الريشة بالنسبة لحسني، ذلك أن حسني قد تخطى كل الأوزان الثقيلة، في حين أن عبد الحميد كان غاية في النحولة…
كثيراً ما كانت رائحة شواء اللحم المنبعثة من بيت تللو تجذب عبد الحميد، فيطرق الحائط ليذكر حسني تللو بلهجة مؤدبة بحاجته للحم، فيرد عليه ذاك بلهجة ساخرة…
فيقول: (شو بدك يا عبد الحميد).
فيجيبه: بدي كم سيخ لحمة، لأن الرائحة حركت معدتي وشوقتني.
فيقول حسني تللو: (ألا تكفيك الصحة التي على بدنك، وكلها من خير اللـه وخيرنا، وجايى بدك تاكل لحمة… أكلك زهرمان يا طماع، يا أبو عين جوعانة، روح غمِّس رغيفك على حيط مطبخنا…).
وهنا يبدأ عبد الحميد بالزعيق والشتائم فيقول: والله لورجيك يا عكِر يا عونطجي…
وتتواصل الملاسنة بينهما، والمستمعون من البيتين غارقون في الضحك.

حسني تللو في البحرة
في إحدى ليالي الشتاء القارصة كان عبد الحميد قادماً إلى المنزل، وكان أولاد الحارة ينتظرونه أمام مدخل الحارة ليسمعوا منه بعض الطرف الضاحكة، إذ ينقل إليهم قطفاً من مجالس الأنس والسمر والطرب، وكان من بين الأولاد عدنان تللو ابن حسني، فلما انتهى عبد الحميد مما يرويه دخل عدنان إلى البيت فوجد أباه حسني جلس في البحرة الصغيرة في (دهليز البيت) والماء البارد يغمره حتى الكتفين، فأسرع إلى عبد الحميد يناديه ليطلعه على هذه المفارقة العجيبة، وما إن دخل عبد الحميد ورأى حسني تللو على هذه الحال حتى أحس بالغيظ الشديد وغلبه الحنق، فرفع عصاه وصاح في وجه حسني تللو: شايف (الهبّال) طالع من جسمك من كثرة الطعام والدسم… وأخذ ينهال بالعصا على جسد حسني تللو وهو في البحرة، وحسني يصيح مستنجداً بابنه عدنان لينقذه من هذه اللسعات، لكن عدنان كان غارقاً في الضحك لهذا المنظر؛ فلم يستطع أن يدفع البلاء عن أبيه.

في مجلس سعدو آغا
سعدو آغا هو جد الرحالة العربي عدنان تللو وهو والد أحد ظرفاء دمشق حسني تللو… كان له مجلس أسبوعي في الدار العامرة يحضره وجهاء الحي وبعض من الأهل والأقارب والجيران، كان عبد الحميد من بين الحضور نظراً لعشقه للعزائم والولائم وما يسمى (السلتات)، أي أن (يدحش) المرء نفسه في مجلس ما نظراً لمعرفته أن هذا المجلس سيعقبه طعام، وكانوا يقولون إن هذا المجلس فيه (فتح تم) أي فيه طعام ما.
وقد كان الآغوات آنذاك يتحدثون في مجالسهم عن أنفسهم، ويتباهون بكرمهم الكبير، ولا تخلو مثل تلك الأحاديث من مبالغات عديدة، ولاسيما إذا كان الحديث عن الولائم، إذ يفاخرون بألوان الطعام والحلويات التي يقدمونها، ويطنبون في وصف كرمهم وشدة ترحيبهم… وكان حسني تللو ابن سعدو قد اتفق مع عبد الحميد المالح أنهما كلما سمعا شيئاً من تلك المبالغات يقوم أحدهما بهز رأسه إلى الأمام والخلف إشارة منه إلى أنه قد اكتشف زيف كلام الآغا وأدرك بطلانه، فيقوم الآخر بهز رأسه كذلك ليؤكد أنه موافق على أن الكلام نصفه كذب، وكانا من أجل أن يتم لهما ذلك يتعمدان الجلوس متقابلين بعيداً عن بعضهما.
ومرة أحس الآغا سعدو بهزات الرأس تلك؛ فسأل عبد الحميد بعد انقضاء المجلس بلطف شديد عن المقصود بهذه الهزات، فأجابه عبد الحميد:
ـــ يا سيدي إن كلام الناس في هذه الأيام قد كثر فيه التدجيل والكذب، وإننا اتفقنا على تلك الهزات لنشير إلى أننا اكتشفنا تلك الأكاذيب.
فضحك الآغا آنذاك، وقال: بسيطة الأمر ليس له أهمية.
لقد أدرك عبد الحميد أن غضب الآغا سوف ينصب على ابنه حسني، وأنه لن يناله من ذلك شيء ما دام ابن الآغا مشاركاً في هذه الجريمة النكراء… ومن ثم فقد أعجبه أن الآغا لم يعر الأمر أهمية، فمرت الأمور بسلام.
وبعد عدة جلسات تصادف أن عبد الحميد قد وصل إلى المجلس متأخراً، واضطر لأن يجلس في مكان قريب جداً من الآغا…
بدأ الآغا يمجد نفسه ويتحدث عن مآثره بشيء من المبالغة حتى يُشبع رغبته في الوصول إلى نظرات الإعجاب وعبارات التبجيل… فبدأ ابنه حسني يتحين فرصة ابتعاد نظرات أبيه الآغا عنه لكي يقوم بهز رأسه إلى الأمام والخلف، إشارة منه إلى عبد الحميد المالح ليشاركه في ذلك… لكن عبد الحميد كان في حالة رعب شديد، لأنه كان جالساً بجانب الآغا، ولأنه كان قد أخبر الآغا سابقاً عن دلالة تلك الهزات.
تعجب حسني تللو من عدم رد عبد الحميد عليه، وكان كلما أشاح الآغا بوجهه عنه هز حسني رأسه ناظراً إلى عبد الحميد ليدعوه إلى الهز، لكن عبد الحميد كان يتغابى ويتظاهر بأنه لا يراه ويبقى مسمَّراً من فرط الخوف الشديد، إلى أن وقعت عينا الآغا على ابنه حسني فرآه يهز برأسه… فماذا فعل الآغا… التفت الآغا إلى عبد الحميد المالح وصفعه على رقبته صفعة قوية جداً أطاحت به أرضاً وهو يصرخ به: قوم رد على هالمغضوب وقل له إن كلامي كله هرف وكذب وتدجيل ونفاق… اللـه يلعنكم ويلعن هالجيل كله، اغربا عن وجهي… قبحكما الله.
وهكذا فقد دفع عبد الحميد ثمن إفشائه السر المتبادل بينه وبين صديقه حسني.
وقد كان عدنان تللو الحفيد آنذاك لا يتجاوز الخامسة عشرة من العمر، (في الثلاثينيات من القرن الماضي) يتابع بشغف ما يجري في مجلس جده وهو غارق في الضحك حتى أذنيه، لكنه تمكن رحمه اللـه من أن يروي لي هذه الطرفة بشكل متقن وتمثيل بارع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن