ثقافة وفن

السهرة الرمضانية

| أنس تللو

نتحلق حول بحرة الماء التي ينساب ماؤها رذاذاً عبِقاً يصيب من حوله… نتمتع بالاستماع إلى ضحكات النساء وتراشقهن بماء البركة.
نتسامر ونتحدث ونتساءل عن الأحوال، وكلٌّ منا يحمل الشوق واللهفة، ويحيط بنا إطار من المحبة الراقية.
نسمع ضحكات الأطفال التي يختلط صوتها مع صوت هدير الماء المنساق على جنبات البحرة، فيكون من ذلك سيمفونية عذبة تبعث الشجن في النفوس.
كان ذلك في سنين خلت من الأيام الماضية، حيث كان جميع أفراد العائلة يجتمعون طوال شهر رمضان في بيت أحد أفراد الأسرة بالتناوب لتناول طعام الإفطار في إطار ما كان يسمى (لمة رمضان)، وتعقب تلك اللمة سهرة عائلية لطيفة غالباً ما تبقى إلى ما بعد منتصف الليل.
وكانت هذه السهرة العائلية تتناوب في كل يوم ؛ طوال شهر رمضان حتى لقد غدت طقساً من طقوسه لا تكتمل نشوته إلا بها…
لقد كانت سهرة ممتعة راقية يلتقي فيها الجد والابن والحفيد في جو من الود الكبير والتسامح الواسع، سهرةً لها رونق خاص وبهجة أليفة، إذ كان الناس يجلسون ويأكلون ويتسامرون، ويدخلون في جو بهيج من الحميمية الخلاقة، ويتشاركون في حوار عائلي مفتوح، تتم فيه مقاربة وجهات النظر، وتحل فيه الخلافات… وكما يكون الصوم مصفاة للجسد يخلِّصه من الشوائب والرواسب العالقة فيه منذ عام خلا، كذلك كانت هذه السهرة أشبه بمصفاة للنفوس تطهرها من أحقاد وضغائن تراكمت فيها.
إنها جلسة تتقارب فيها النفوس وتتصافى، وتقوى الصلة بين الأرحام… من هنا فقد كان شهر رمضان برمته مدرسة اجتماعية أخلاقية كبرى، تعلم الصفات الحسنة للأولاد، وترشد الكبار إلى الفضائل الكبرى… أما اليوم فقد ضاعت سهرات رمضان… أضاعتها العولمة الحديثة… لقد استبدلنا اللاب توب بالبحرة القديمة، واستعضنا عن فواكه الدار التي كانت عامرة بالأطعمة الجاهزة الضارة… ولم يبق من ذلك التراث القديم كله شيء… اللهم إلا سلام عابر باق ومعايدة خافتة.
ما كان أجملها من سهرات خسرناها… وما كان أرقاها من عادات تم القضاء عليها.
كنا في هذه السهرة ننصت إلى أحاديث الجد والجدة الحكيمة، فنتشرب من خلالها أخلاقاً حسنة، ونتعرف على حكم ومواعظ، فيغدو شهر رمضان وكأنه دورة تدريبية تعلِّم فن التواصل وفن الاستماع، وتدرب على أساليب الحياة الرغيدة ضمن جو من التآلف والتفاهم كبير، ويكون من ذلك أثر فعَّال في أخلاق الأولاد والناشئين.
متعة كبرى كنا ننعم بها طوال شهر رمضان، أو لعلها كانت حجة نتذرع بها لنسهر ليلاً متحلقين حول بحرة ماء وأمامنا صحون من الفاكهة الطازجة.
أما اليوم فنتحلق منفردين حول الموبايل، ونتهافت سكارى على الواتس آب، وننام ضائعين على الفيسبوك.
ألا من عودة إلى تراثنا الأصيل لننقذ أنفسنا ونحمي أولادنا من براثن الغزو الفكري الخبيث؟. ألا ليتك يا رمضان القديم تعود، وتعود معك طقوسك القديمة.

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن