الأولى

حلب: بوابة القدس

| بيروت – محمد عبيد 

يبدو تصريح رئيس الأركان الروسي الجنرال فاليري غيراسيموف منذ يومين «ينتهي صبرنا حيال ما يجري في سورية وليس صبر الأميركيين»، الإشارة العسكرية الروسية الأولى إثر اجتماع وزراء الدفاع الثلاثي السوري-الروسي-الإيراني والذي عقد في التاسع من الشهر الجاري بمبادرة من القيادة الإيرانية في إطار التنسيق والتعاون العسكري المستجد بينهم والمتزامن مع إطلاق ما سُمي «عاصفة السوخوي».
وإن كان هذا التصريح العسكري قد جاء رداً على إعلان لرئيس الديبلوماسية الأميركية جون كيري الأسبوع الماضي حذر فيه روسيا من أن «صبر واشنطن ليس إلى ما لا نهاية وهو في الحقيقة محدود فيما يتعلق بما إذا كان الأسد سيُحَاسب أم لا»، غير أنه ووفقاً لمصادر دبلوماسية غربية يدلل على ما يدور في الكواليس من قراءات أميركية حول قدرة موسكو على التأثير الفعلي في القرار السوري بناء على تقييم خبراء في الخارجية الأميركية بأن «التعامل مع الرئيس بشار الأسد ليس سهلاً وخصوصاً أنه يخوض حرب وجود للحفاظ على الدولة السورية». ويضيف هؤلاء الخبراء أنه ليس واضحاً بالنسبة للديبلوماسية الأميركية ما إذا كانت القيادة الروسية قادرة على ممارسة الضغط على الرئيس الأسد أم إنها لا تريد ذلك.
كما يأتي موقف رئيس الأركان الروسي في وقت تبدو فيه محاولات موسكو لتثبيت التوازن كشريكٍ مساوٍ لواشنطن في إدارة أزمات المنطقة والتأثير فيها وفي مقدمتها الأزمة في سورية قد بدأت تتهاوى ميدانياً نتيجة المراوغة الأميركية في الانتقال العملاني الثنائي لقتال المجموعات الإرهابية على اختلاف تسمياتها، بل الأسوأ الدفاع الأميركي المبطن عن هذه المجموعات من خلال تبرير الجرائم ضد الإنسانية الموصوفة التي ترتكبها ضد أهل مدينة حلب المدنيين كذلك التغطية على الخروقات الإرهابية لاتفاق وقف الأعمال القتالية المعمول به خصوصاً في الشمال السوري.
لن توفر واشنطن جهداً لابتزاز موسكو وهي لذلك تلوح بتجديد العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليها بالتعاون مع بعض دول الاتحاد الأوروبي بسبب الأزمة الأوكرانية والتي حان موعد مراجعتها خلال ما تبقى من الشهر الجاري.
على أي حال، تمنح المشاركة الروسية في القتال ضد الإرهاب في سورية قاعدة عسكرية وحيدة خارج أراضيها ومدىً جيو- سياسياً حيوياً في منطقة الشرق الأوسط التي غابت عنها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، إلا أن هذا القتال بالنسبة لمحور المقاومة (سورية، إيران، حزب الله) خيار وطني وقومي استراتيجي لكونه محطة أساسية من محطات المواجهة مع المشاريع الأميركية لتطويع هذا المحور تمهيداً لرسم خريطة سياسية جديدة تُثَبِت من خلالها وجود الكيان الإسرائيلي وتحميه بضمانات سعودية-تركية.
بناءً على هذه الوقائع والخيارات، باتت حلب وريفها الممتد حتى الحدود التركية في قلب الحدث الفاصل بين مشروعين متوازيين لا يبدو أنهما يمكن أن يلتقيا ولو على تسوية ما، كما أن انتصار أي منهما على الآخر سيشكل تراجعاً وربما نهاية لبعض أنظمة المشروع المهزوم. لذا ألقت واشنطن بثقلها السياسي المباشر والعسكري غير المباشر لتمكين المجموعات الإرهابية المتسترة بتسميات مختلفة من استعادة السيطرة على القرى والبلدات التي خسرتها في أرياف مدينة حلب كمقدمة لإعادة تطويقها كتعويض ميداني عن عدم إمكانية تحقيق الرغبة التركية سابقاً والسعودية لاحقاً في إيجاد منطقة عازلة محمية بحظر جوي دولي.
في المقابل، وفي موازاة العملية التي يقوم بها الجيش العربي السوري وحلفاؤه على محور محافظة الرقة وفي ظل التحضيرات المتسارعة العسكرية واللوجستية لفك الحصار عن مدينة دير الزور ومساندة حاميتها، يبقى استكمال فك الحصار عن مدينة حلب وتحرير أريافها هدفاً أولياً لابد من إنجازه باعتباره خطوة إستراتيجية لخلاص سورية والمنطقة من الأدوات الإرهابية ولسقوط المحور الذي يمنع إعادة توجيه البوصلة العربية والإسلامية نحو القدس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن