قضايا وآراء

الاستفتاء الذي هز العالم هل بدأ الحلم الأوروبي يترنح؟!

| د. أسامة سماق

في البداية لابد من تسجيل أن 24/6/2016 قد دخل التاريخ من أبوابه العريضة فنتائج الاستفتاء البريطاني لم يتوقعها معظم المراقبين السياسيين والاقتصاديين حول العالم وبالتالي كان الذهول هائلاً وبحجم الآمال التي كانت.
تترقب نتائج معاكسه لما حدث… ولكن ومن أجل فهمٍ أكثر لطبيعة هذا التجمع الذي يسمى الاتحاد الأوروبي لابد من إلقاء نظره على تاريخ تطوره وعلاقة بريطانيا التي لم تكن في يومٍ سهلة مع مؤسساته:
تكررت المحاولات لتوحيد الشعوب الأوروبية عبر التاريخ وفي أحيان كثيرة كانت محاولات عنيفة وعن طريق الحروب، أول وحدة أوروبية كانت تحت راية الإمبراطورية الرومانية، ثم إمبراطورية شارلمان الفرنكيه، فالإمبراطورية الرومانية المقدسة، والأخيرتان استمرتا مئات السنين، وذلك قبل ظهور الدولة القومية الحديثة… بعد ذلك وفي القرن التاسع عشر كانت محاولة نابليون وحروبه وبعده محاولة هتلر في أربعينيات القرن العشرين، المحاولات الأخيرة اعتمدت إخضاع الدول الرافضة بقوة السلاح وبالتالي لم تستمر طويلاً.
كوارث الحربين العالميتين الأولى والثانية خلقت توجهاً لدى الدول الكبرى في أوروبا بضرورة البحث عن صيغه لتوحيدها في سبيل تجنب حروب شامله جديدة وخاصة لدى ألمانيا وفرنسا، وقد قاد ذلك إلى تشكيل المجموعة الأوروبية للفحم والصلب في عام 1951 والتي ضمت ألمانيا الغربية وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ. في مرحله لاحقه في عام 1957 وقعت اتفاقية روما والتي نصت على وحدة جمركية سمحت بتأسيس المجموعة الاقتصادية الأوروبية أو ما سمي لاحقاً بالسوق الأوروبية المشتركة والتي دخلت حيّز التنفيذ في كانون الثاني 1958.
شكلت السوق الأوروبية المشتركة حجر الأساس لظهور الاتحاد الأوروبي ومعاهدة الاتحاد في الأول من تشرين الثاني 1993. والذي تحول إلى شراكه اقتصادية وسياسية.
وباختصار يضم الاتحاد اليوم 28 دوله أوروبية، ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي لدول الاتحاد أكثر من 18 تريليون دولار أميركي، تبلغ مساحته 4 ملايين ونصف كيلو متر مربع، وسكانه 508 ملايين نسمه.
هذا بالنسبة للاتحاد الأوروبي… بريطانيا العظمى انضمت إلى السوق الأوروبية المشتركة عام 1973 ولم توقع على اتفاقية الشنغن لدول الاتحاد، كما لم تدخل منطقة اليورو، تدفع بريطانيا سنوياً بعد التعديلات الأخيرة 13 مليار جنيه إسترليني كاشتراك في الاتحاد.
تبلغ مساحة بريطانيا 242.495 كم²، وعديد سكانها66، 789، 194 نسمه، الأقاليم الرئيسية بعد إنكلترا أو إنكلاند هي سكوتلندا وإيرلندا الشمالية وويلز والتي تتمتع بحكمٍ ذاتي.
كانت فرنسا شارل ديغول العقبة الرئيسة لانضمام بريطانيا إلى السوق الأوروبية في ستينيات القرن الماضي، واستخدمت الفيتو ضدها وذلك بحجة ارتباط الأخيرة الوثيق مع دول الكومنولث البريطاني من جهة وتحالفها التاريخي مع الولايات المتحدة الأميركية من جهةٍ أخرى… ما أدى إلى استمرار الشكوك المتبادلة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا حتى بعد انضمامها والذي عبرت عنه مارغريت تاتشر حين صرحت في عام 1984: أن بريطانيا ليست سعيدة بما تحققه من عوائد بوجودها داخل السوق الأوروبية مقابل ما تقدمه من التزامات ماليه، هذا بالإضافة إلى ارتفاع الأصوات المحافظة الأخرى حول فقدان الدولة البريطانية لسيادتها… -هنا من المفيد التنويه أن الاقتصاد البريطاني كان في أسوء أحواله عشية انضمام بريطانيا إلى السوق الأوروبية المشتركة حيث كانت معدلات النمو أقل من اقتصادات فرنسا وألمانيا وإيطاليا هذا بالإضافة إلى نسب البطالة العالية.
استمرت هذه الأصوات بالارتفاع وخاصة المضاربات السياسية حول قضايا حساسة بالنسبة لشعب محافظ كالشعب الإنكليزي مثل السيادة والاستقلال، وأن بريطانيا كانت دولةً عظمى حرةً في توجهاتها قبل الاتحاد الأوروبي،
وقد عزز هذا التيار موجات اللاجئين القادمة من الشرق بسبب الحروب، ولا سيما الحرب السورية وما أفرزته من عمليات وتهديدات إرهابيه. أملت الخوف من القادمين الجدد على الوضع الأمني في دول الاتحاد، وضرورة إغلاق الحدود في إطار الدولة الأوروبية الواحدة وإحياء نقاط التفتيش.. والرقابة التقليدية.
هذه العوامل مجتمعه أدت إلى نتائج الاستفتاء التي أعلنت، وإذا أضفنا أن عصرنا وكما توقع الكثير من المحللين هو عصر انهيار الإمبراطوريات فإننا نستطيع أن نجزم أن حلم الاتحاد الأوروبي بالتحول إلى دوله فيدرالية أو كونفيدرالية كان يسبح عكس تيار الحياة التي قد تكون قالت كلمتها في هذا التجمع الذي بدأ يترنح بخروج بريطانيا منه. – والذي كانت أول مؤشراته برفض الفرنسيين للدستور الأوروبي في 30 أيار 2005 – حيث أخذت الأحزاب اليمينية في القارة العجوز تطالب باستفتاءات مشابهة في كلٍ من فرنسا وإيطاليا وهولندا والدانمرك وفلندا…..
بدورها أصبحت وحدة المملكة المتحدة في خطر، فاسكوتلندا وإيرلندا الشمالية أعلنتا عن رغبتهما بالخروج من المملكة
إضافة إلى إمارة ويلز التي تسعى إلى الاستقلال منذ فترة طويلة.. فهل سيكون التشظي مصير بريطانيا العظمى؟
إلى ذلك فقد يشجع ما جرى في بريطانيا الكثير من الأقاليم على امتداد الكره الأرضية بالانفصال، حتى في الولايات المتحدة فهناك العديد من الولايات تسعى إلى الانفصال وفي مقدمتها ولاية تكساس.
هناك نبوءة عمرها أكثر من عشرين عاماً تقول إن انهيار سورية سيؤدي إلى انهيارات كبيرة، وإلى عالمٍ سيسبح في بحارٍ من الدماء… فهل ستقودنا الرؤوس الحامية في أوروبا إلى الكارثة؟!!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن