ثقافة وفن

من جديد «حضارة الطين».. شاكر مصطفى ومنظومة القيم والطين … الانسان يظن أنه يصعد إلى الأعلى.. والحق أنه إلى الدرك الأسفل

| عامر فؤاد عامر

«.. اشتغل في كتابة التاريخ، فكان المؤرخ المشهود له في براعة التفكير، وفي جمال التعبير. حاز عن جدارة لقب المؤرخ، الذي ينشد الدقة، والموضوعيّة، يقرؤه الباحث فتشده الطريقة التي عالج فيها موضوعاته، وتروق له تعليلاته، وتحليلاته، فلا يمل من متابعة قراءة إنجازاته، وتأخذ القارئ الهاوي المتأدب عباراته الأخاذة، بارع في صياغة اللغة، حاز منذ البدايات إعجاب الكتاب والمتأدبين. وصفه المتابعون بأنه الأديب والمؤرخ، ونعتوه بلقب أديب المؤرخين، والمؤرخ الأديب، والأديب المؤرخ، فلم يظلموه، ولم يجاملوه». هذه الكلمات من مقدمة كتاب «حضارة الطين» للمؤلف الراحل الدكتور «شاكر مصطفى» في صدور جديد عن اتحاد الكتّاب العرب وهذا الاختيار موفق لما يحمله الكتاب من ثقافة وفكر.
يُقسم الكتاب إلى جزأين اثنين هما: «في الحضارة»، و«في الإنسان»، ويتمّ مناقشة الشكل الحضاري للبشريّة، وكيف تطوّرت، ولماذا أصبحت بشكلٍ يختلف عن شكلها الأوّليّ، ودراسة الأسباب في ذلك، وملاحظة الخلل، والعمل على تأطيره من أهل الفكر والعلم.

حضارة الطين
يطرح الكاتب في حضارة الطين فكرته عن إنسان اليوم، الذي يعتقد نفسه يتجه في سلم الحضارة باتجاه الأعلى، ويفهم لغة التطوّر بأنها مرتبطة بالتكنولوجيا والاختراع، في حين أن الحقيقة تشير إلى أنه يتجه للدرك الأسفل، لأنه يهمل الأخلاق والمبادئ الإنسانية. في هذا القسم يشير الكاتب إلى طمع الإنسان بالمُنجز المادي، وانشغاله بالحروب والرغبة في السيطرة، ولعل ما ذُكر في هذا القسم «حضارة الطين» هو مؤشر حقيقي لما يجري اليوم والتهاء الإنسان بلغة التدمير، وتفوّق الأنانيّة على حساب الإنسانية، وصراع الوجود ودفن الهويّة لبعضنا بعضاً، ولا بدّ من الإشارة إلى أن الكاتب قد خطّ هذا الكتاب في أربعينيات القرن الماضي، لكن كلامه ينطبق على ما يحصل في أرضنا اليوم، وفيه يدعو أيضاً إلى أن لغة احترام الإنسان لأخيه الإنسان هي اللغة التي ستدوم.

حضارة القلق
نلقي نظرة سريعة على أفكار هذا القسم، التي ينفي خلالها الكاتب «شاكر مصطفى» ما وصل إليه الغرب من تفوّق زائف على الشرق، فالغرب بنى تطوره منذ نحو 500 عامٍ فقط على الفرديّة، والاهتمام بالماديّة والتعلّق بالجسد على حساب الروح، وبالتالي وصل إلى نتائج من القلق، والقلق المرافق دوماً لكلّ ما يقطفه من ثمار، ولذلك لا يمكن لهذه الحضارة من الاستمرار، فهي مبنيّة على أسس هشّة، كما يوضح الكاتب في كثير من الأمثلة، ويشرحها لكنه يضع في النهاية مثالين من الكتّاب والمفكرين: «طاغور» ممثلاً الشرق، و«غوته» ممثلاً للغرب، وكلاهما مفكران، لكن أثرهما الفكري والكتابي واضح، فالشرقي اعتمد الإيمان وتقديس الجمال والخير، والغربي اعتمد الخوف والملل والقلق دوماً، وهذا يظهر بجلاءٍ في كتابات ومؤلفات كلّ منهما.

حضارة التمرّد
من هذا القسم نقتطف ما كتبه «شاكر مصطفى»: «… تاريخ الحضارة الغربيّة ما هو إلا ثورة متّصلة، وحياتها ليست غير تمرّد على ذاتها وصراع لا يهدأ مع قيم تخلقها ثم تنقضها، وتبنيها لتهدمها فعل الطفل الحنق الغضوب. وإنّا لنستطيع أن نراقب تمرّد هذه الحضارة منذ فجر نهضتها في القرن الخامس عشر أي منذ أخذت فرديّة الغربي تبرز وتنشل نفسها من المجموع المتشابه في مجتمع القرون الوسطى. فبعد أن كان الفرد إنساناً بين الناس وعضواً في جموع تشبهه من العمال والأقنان يخضع للواجبات ذاتها ويحبها الحبّ نفسه، ويتعبد في المعبد نفسه، جاء عصر النهضة فأعطى الإنسان الشعور بشخصيّته المستقلة وبحقيقيته الوحيدة وبوجوده كفرد تركت الحياة المستوى الإلهي إلى مستوى البشر. ونزل مفهومها من السماء إلى الأرض، وبدأت قصة التمرّد الغربي التي قد أستطيع أن أقسمها إلى مراحل أربع.. ». ثم يشرح هذه المراحل فالتمرد الأول واقعي طبيعي على يدّ «كوبرنيكوس» و«غاليليه» و«نيوتن»، والإيمان بمبدأ التجربة وما يلمسه ويراه بأمّ عينه، على طريق القديس «توما»، وبالابتعاد عمّا حمله الإنجيل ومبادئ «أرسطو» الفلسفيّة. ومنه تطوّر فجاءت النزعة الفرديّة وصولاً للاتجاه الثاني وهو العقلي لا المجرّد بل الفردي، فطفا تفكير «ديكارت» و«كانط»، وكانت مبادئهما هي السائدة! ومع مرور الوقت لبست الفرديّة ثوبا جديداً مبهرجاً كسرت من خلاله كثيراً من القواعد والقوانين والمنطق من خلال الاتجاه الإبداعي العاطفي، فكان رواده من «هيغل» إلى «بيرون» و«نيتشه» و«شوبنهاور» و«غوته» وصولاً إلى «ستاندال» وغيره من الأسماء. من هذا التعدد تفرعت مذاهب كثيرة منها الرمزيّة والتكعيبيّة والسرياليّة… إلخ. وفي النتيجة كلّ هذه المراحل تعزز في تمرّدها المذاهب الشخصيّة، ففي الفلسفة نجد الوجوديّة، وفي الأخلاق نجد النفعيّة، وفي الفنّ نجد الإحساس الشخصي.

بين حضارة الغد وحضارة الجسد
أقسام أخرى في هذا الجزء «حضارة الطين» ناقش الكاتب فيها مجموعة قضايا مهمّة بطرح أسئلة منها: هل نجح العلم في الوصول بالإنسان للسعادة؟ من خلال قسم «حضارة الجسد» نافياً الإجابة بنعم، بعد إلقاء نظرة شاملة على منجزات العلم وما حققه من خراب وتدمير، لكنه يضرب مثالاً من العلماء وهو «أينشتاين» الذي نظر بشموليّة في أبحاثه، فلم يتزمّت لجزء، ولم يهمل الإنسان في دراسته، ومن أقواله في الأعمال العلميّة: «إنها أعمال جديرة باللعنات»، وأيضاً: «إن العلم لم يستعمل حتى اليوم إلا في خلق العبيد» لأن العلم أخفق كإنتاج إنساني مفيد. وفي قسم «حضارة الغد» سعى المؤرخ «شاكر مصطفى» لتخيّل واستقراء الحضارة الإنسانية المقبلة كيف ستكون، من خلال التفكير بإنسان الغد، وكيف ستكون مواصفاته، ومنها استقراء ملامح الحضارة التي ستأتي، وبرأيه إنها ستكون حضارة خاضعة لقانون التطوّر، وعالميّة الشكل، وعلميّة بصورة جديدة.

الإنسان والعلم
عكست المرآة التي صنعها الإنسان في العلم كلّ صور الكون إلا صورة الإنسان نفسه! وذلك لثلاثة أسباب ذكرها الكاتب، أوّلها: هو توجّه الإنسان لتفحّص الطبيعة ولاختراع الآلات، فلم يعد بحاجة للتفكير في النفس الإنسانية. ثانياً: يهوى الآدمي في الأصل تأمّل الأشياء المُبسّطة والنسب الهندسيّة، وهذا ما يتوافر في عالم المادّة الجامد، والذي درّ الربح والرفاهية عليه. ثالثاً: العضويّة الحيّة معقدة التركيب ملتوية الدراسة. وتلك اللمحات الدافعة من الشعور واللاشعور في أعماقها أمور ضبابيّة تتأبى على القياس والبساطة.

إنسان هذا العصر
لا يتفق اثنان في معرفة النفس البشريّة ومكنوناتها، وقد دعا «سقراط» الإنسان للبحث عن نفسه فقال: اعرف نفسك بنفسك. وبعده جاءت تعاريف كثيرة للإنسان فـ«أفلاطون» عرّفه بأنه حيوان عاري الجسد قائم على قدمين، فجاء «ديوجين» يرمي ديكاً منتوفاً ليقول هذا إنسان أفلاطون! ثم جاء «أرسطو» فقال الإنسان حيوان فيلسوف، وتتالت التعاريف بعدها. ونذكر أبيات الشاعر «إيليا أبو ماضي» حين قال:
إنني أشهد في نفسي صراعاً وعراكا
وأرى ذاتي شيطاناً وأحياناً ملاكا
هل أنا شخصان يأبى ذاك مع هذا اشتراكا
أم تراني واهماً فيما أراه.. لست أدري!

في الإنسان أيضاً
يتقصى مؤلّف كتاب «حضارة الطين» تعاريف متجددة، ومحاولات عدد من الباحثين في الكشف عن معنى الإنسان في قسم «الإنسان لدى قادة الفكر» لكن من دون الوصول إلا لأجوبة كثيرة ومتناثرة ومتعددة ومتباينة!. في قسم «الإنسان وما فوق الإنسان» أمثلة كثيرة يضربها لنا الكاتب في أشكال رقي الإنسان والتوق للكمال، وصولاً لحالة التفوّق. أمّا قسم «مأساة الإنسان» فيصف فيه ما آل إليه الإنسان اليوم الذي يعيش إلى حدٍّ كبير من دون أمل. لا ثقة له بعالمٍ أفضل ينتظره ولا بمهدي يقلب له الأرض فردوساً! إنسان اليوم كـ«أوديب» أو «هرقل» أو «ديدال» يعرف مصيره ولا يعرف الراحة بعد هذه المعرفة.

أزمة وعدّة حلول
نشر «اشبنغلر» كتابه «تدهور الغرب» ليكون ورقة نعي مبكرة لحال الإنسانية، وجاءت الحرب العالميّة الثانية لتؤكد أفكار الكتاب. وجاء بعد هذه الحرب جيل المأساة كما هو متعارف عليه، الذي عاش المرارة والمقاومة لبناء حياة أفضل تحمل معالم من السلام على هذا الكوكب، لكنهم أدركوا الكثير من الأخطاء ارتكبت في جذور الحياة الحديثة، ومنها نذكر: أولاً نشوء هذه الحضارة بين جدران المدن، وبالتالي البحث في الجزئيّات وفي التفصيلات بعيداً عن الكليّات. ثانياً: اعتبار الطبيعة هي المادّة وهي الأشياء الجامدة والحيوانات أمّا الإنسان فكائن منفصل عن كلّ ذلك!. ثالثاً: اتجهت الحضارة الحديثة للمعرفة ولم تتجه للحياة فحددت ضيق أفقها مبتعدة عن ماهية الأشياء والصلات الحيّة بينها. رابعاً: خلق العلم للإنسان الحالي بيئة ماديّة واجتماعيّة وفكريّة متزايدة التعقيد والاختلاف، ولكن تجاوبه معها ما يزال ضعيفاً. يتمثّل الحلّ برأي الكاتب من خلال استعراض أفكار عدد من المفكرين لكنها تشير جميعها إلى دعوة الإنسان للعودة إلى القيم، والإيمان، كقيم الخير، والحقّ، والجمال، والسعادة، وبالعودة إلى الله، والبحث عما يلائم تطورات الحياة الحديثة، وصولاً لعالم أسمى. والعمل على تحسين النسل من خلال الحقل البيولوجي وأبحاثه المتطوّرة، وخلق موازنة بين القيمة الروحيّة، والقيمة العلميّة…

تقدّم الإنسان
نقتطف من هذا الجزء ما يذكره المؤلّف من ضرورة التقدّم الإنساني، رغم كلّ الإخفاقات فيقول: «… من الواضح أنه أيّاً كان أصل الكون، وأنّى انتهى إليه مصيره المحتوم، فإن فيه اتجاهاً يستحقّ كلّ الاستحقاق أن يدعى تقدّماً ورقيّاً، ونقطة الخلاف تبقى في الحقل الأخلاقي، حقل القيم التي تصل الإنسان بالمطلق واللانهائي. حقل الحبّ والكشف العلمي، والدّين، والفنّ، والمُثل العليا. فهل مسّ التقدّم هذه الأقانيم الإنسانية الكبرى؟ إنه بها وحدها تظهر ملامح الإنسان. ولكنا لا نستطيع أن نبرهن على الرقي فيها ولا نستطيع أن نرى السمو إلا فيما هو تاريخ وثورة وفكر وطبيعة، وهذه الأقانيم وإن كانت تتعلق تعلقاً لا انفصام له بعالم الأحداث التاريخي، المتغيّر أبداً، الثائر أبداً إلا أنها تبقى فوق متناول القانون والمعايير والتقويم!».

«شاكر مصطفى»
«ولد في إحدى حارات دمشق القديمة وتعلّم في مدارسها، حصل على الشهادة الثانويّة عام 1939 لينتقل إلى القاهرة ويدرس التاريخ في جامعة فؤاد الأول ويتخرج فيها عام 1945 حاصلاً على الإجازة الجامعيّة. ويعود إلى دمشق ليكون أحد مدرسي مادّة التاريخ في عدد من مدارسها الثانويّة وفي دار المعلمين الابتدائيّة. في الفترة الواقعة بين 1945 و1955 شغل عدداً من الوظائف في وزارة المعارف منها: مدرس لمادّة التاريخ كما ذكرنا، ومدير للمعارف في محافظة درعا، ومدير لدار المعلمين الابتدائيّة في دمشق، ثم أمين للجامعة السوريّة. بعد ذلك عمل مستشاراً ثقافيّاً في السفارة السوريّة بالقاهرة عام 1956 فقائماً بالأعمال في السودان عام 1957، وفي عام 1958 عُيّن مفوضاً في كولومبيا، وشغل وظيفة قنصل عام في سفارة سورية في البرازيل من 1961 إلى 1963، ثم سمّي مديراً عاماً في وزارة الخارجيّة وأميناً عاماً بالوكالة، وفي عام 1965 تولى منصب وزير الإعلام لفترة قصيرة….».
الآثار الأدبيّة والفكريّة التي أغنى بها «شاكر مصطفى» المكتبة العربيّة كثيرة، منها:
– العرب في التاريخ.
– حضارة الطين.
– بيني وبينك.
– في ركب الشيطان.
– محاضرات في القصة القصيرة حتى الحرب العالميّة الثانية.
– الأدب في البرازيل.
– الأندلس في التاريخ.
– معنى السلام عند إسرائيل. ماذا تريد إسرائيل؟
– موسوعة العالم الإسلامي ورجالها.
– بين الأدب والتاريخ.
– المنسيون في التاريخ.
– في التاريخ الإسلامي.
– المدن في الإسلام حتى العصر العباسي.
– من ذكريات الغزو الإفرنجي.
– وجوه من العهد الصليبي.
– صلاح الدين الفارس المجاهد والملك الزاهد المفترى عليه.
– من الغزو الصليبي إلى الغزو الصهيوني وبالعكس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن