قضايا وآراء

هل يتحرر جنيف من معضلة سياسات الإرهاب؟

| عبد السلام حجاب 

يتأكد من دون شك، أن الإرهاب كالبحر المالح كلما شربت منه ازددت عطشاً، فتزداد احتمالات الغرق فيه حتى الموت، والأمثلة كثيرة من فلسطين إلى اليمن فليبيا وصولاً إلى العراق وسورية، حيث الدروس الحاسمة وخيارات سدنة الإرهاب المعقدة والخطرة.
بل إن صانعي الإرهاب ومشغليه والمستثمرين فيه، يواصلون جهدهم لجعل أمن واستقرار العالم تحت مقصلة سياساته الفاشية، وفق حسابات مريضة وافتراضية وتحويل الماء العذب الذي تؤمنه القرارات الدولية إلى سراب في صحراء الإرهاب، بتجاهل غبي للملحمة اليونانية من يعلم الآخرين دروساً في سفك الدماء فعليه توقع أن تكون أولى تجاربهم في إثبات تعلمهم الدروس، وما وقع مؤخراً من تفجير إرهابي بسيارة مفخخة في الأردن الشقيق، مثال ذو دلالة.
إنه لا غرابة، إذاً، لعدم وجود مؤشرات واقعية تشي بأن تستأنف العملية السياسية للحوار بين السوريين في جنيف جولتها الرابعة على قاعدة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.
ويكفي دليلاً، عدم قدرة الميسر الدولي دي ميستورا، الإعلان عن موعد عدا مواعيد افتراضية في تموز المقبل، ما يعني أن تقريره العائم فوق معايير مزدوجة وواقع الإرهاب المسيس بتغطية أميركية لإخراج جبهة النصرة الإرهابية من لوائح الإرهاب الدولي، سيمثل فرصة إضافية لحلف الإرهاب ورأس حربته السعودية التركية القطرية، بتنسيق أصبح علنياً مع الكيان الإسرائيلي تعيد السؤال عن الحل السياسي للأزمة في سورية إلى المربع الأول، فلا يجد الوزير كيري حرجاً بأن يحمل روسيا وسورية أسباب نفاد صبره ثم يعدل فيها متراجعاً المتحدث باسم الخارجية الأميركية، ولا يكتفي الوزير لافروف بالتعبير عن استغرابه لمثل هذه التصريحات بل يبلغه «أن التواطؤ مع تنظيم جبهة النصرة الإرهابي الذي يحتمي بفصائل معارضة إرهابية تدعمها واشنطن بأنه أمر غير مقبول».
وتجدد الخارجية الروسية دعوتها إلى إغلاق الحدود التركية السورية لوقف تهريب الأسلحة والمسلحين، كما تطالب زاخاروفا باسم وزارة الخارجية بوقف إمداد الإرهابيين حسب القرارات الدولية ولا سيما القرار 2253، إذ إن المجموعات المسلحة وشاحنات الأسلحة تستمر بالعبور من تركيا إلى سورية.
ومرة أخرى، إذا كان الوزير الأميركي كيري يجدد التأكيد أنه لا حل عسكرياً للأزمة في سورية فأي حل هو ذاك الذي يعمل عليه ويجند أطراف حلفه في محاولة لفرضه ما دامت:
1- الاتفاقات مع الشريك الروسي المفترض معطلة وممنوعة من التنفيذ بشروط التنظيمات الإرهابية المسلحة والمسيسة.
2- استئناف العملية السياسية لحوار السوريين في جنيف رهن بخط سياسي أحمر لمعارضة افتراضية تؤكد حضورها بالسلاح والإرهابيين، وتخضع في تحركاتها الفاشية لمصادر تمويلها التركية والسعودية والإسرائيلية.
ألا يعني ذلك بشكل مباشر تعطيل أو تخريب أو وأد العملية السياسية في جنيف ما دامت لا تلبي شروط تحقيق مكاسب سياسية أو جيوسياسية.
ثم أليست الديمقراطية السياسية وليس الإرهاب بأخياره وأشراره هي السبيل ليكون القرار للسوريين في صناديق الاقتراع وليس لقعقعة سلاح الإرهاب وأجندات مشغليه والمستثمرين فيه؟
إنه لو حاول مراقب سياسي غير الميسر الدولي دي ميستورا الذي يمسك عصا الحل من المنتصف فلا يغضب مصادر تمويل المنظمة الدولية من الدول الداعمة للإرهاب فلسوف يجد نفسه أمام جملة مؤشرات لواقع سياسي متحكم بشفرات إرهابية عديدة ومتنوعة بينها:
1- سياسة أميركية ليست مستعدة أن تخرج خاسرة في سورية، فتغض الطرف عن وكيليها السعودي والتركي ولكنها لا تريد ذلك سبباً منفرداً للمغامرة لقناعة بأنها سياسة معقدة والطريق فيها زلقة.
2- لم يعد مشروع الحرب على سورية قابلاً للحياة والاستمرار، فالعالم تغير ولن يعود إلى الوراء مع صعود قوى ناهضة أصبحت واقعاً سياسياً وميدانياً لا يمكن تجاهله أو تخطيه، كما أن قوى الإرهاب تتكسر قدراتها وباتت عاجزة أمام انتصارات السوريين على المسارين السياسي والعسكري بدعم الحلفاء والأصدقاء.
3- تضاؤل فرص الخيارات الحاسمة لبدائل ممكنة على الورق فقط. فلا بحر الإرهاب يروي ظمأ، ولا الزيادة في تجرع سمومه يمكن أن تفتح أفقاً، والدلائل أكثر من أن تتركز ليس آخرها صدمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
فكيف يمكن في الوقت المتبقي لرئاسة أوباما الذهاب لتحقيق مصالح وأجندات آخرين في حلفه، وأعلن باسمه البيت الأبيض أنه لا وجود لحل عسكري في سورية وأن مثل هذا الحل منزلق خطر.
ولكن هل ينفي ذلك وجود قطب مخفية لحلف الإرهاب في سورية والمنطقة بحثاً عن مكاسب سياسية وجيوسياسية في الوقت الضائع؟
منطقياً، يصبح السؤال: ألا يعني أن استئناف العملية السياسية للحوار بين السوريين في جنيف على مفترق طرق يوم الأربعاء المقبل. فإما تأكيد عملي للحرص على تنفيذ القرارات الدولية 2254 و2253 و2268 الخاص بالاتفاق الروسي الأميركي وإخراج جبهة النصرة الإرهابية وملحقاتها من الرهانات المتداولة، وإما أن يبقى جنيف منصة لفرض شروط سياسية للإرهاب. فوق ملعب خطير لحساب الوقت الافتراضي الذي لم يعد مطمئناً بحساباته ولا بنتائجه الافتراضية؟
لا جدال بأن أميركا باتت على قناعة، رغم قوتها العظمى بأن الحرب لا يمكن أن تكون نزهة ما يعني قبول ضرورة البحث عن مخارج غير تصادمية تضع مسؤولية الأمن والاستقرار وفق المعايير الدولية المتجددة بفعل القوى الدولية الناهضة في مقدمة اهتماماتها، وليس بعيداً أعلنت منظمة شنغهاي في بيان ختامي لأعمالها دعم وحدة وسيادة واستقلال سورية وعدم وجود بديل من التسوية السياسية للأزمة في سورية ومحاربة الإرهاب دون ازدواجية معايير وانتقائية.
وليس جديداً ما يؤكده السوريون جيشاً وشعباً بقيادة الرئيس بشار الأسد أن دماء الشهداء والحقوق الوطنية السيادية، خطوط حمراء، ولا تخضع لشروط إزاء السياسة والأجندات السرية وأما أولئك الذين يكابرون ويصرفون الوقت والجهد والمال لأحلام تغيير معادلات الواقع فإن إجابات السوريين واضحة في السياسة والميدان، ومن يقرأ فعليه أن يفهم كيف يمكن تحرير جنيف من مقصلة سياسات الإرهاب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن